واستقامة نظم الكلام بهذا المعنى يكون بتقدير كلام محذوف يدل عليه التفريع في قوله ( فإني غفور رحيم ) . فالتقدير : إلا من ظلم من قبل الإرسال وتاب من ظلمه فخاف عقابي فلا يخاف لأني غافر له وقابل لتوبته لأني غفور رحيم . وانتظم الكلام على إيجاز بديع اقتضاه مقام تعجيل المسرة ونسج على منسج التذكرة الرمزية لعلم المتخاطبين بذلك كأنه يقول : لم أهمل توبتك يوم اعتديت وقولك ( هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) وعزمك على الاستقامة يوم قلت ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) .
ولذلك اقتصر في الاستثناء على خصوص من بدل حسنا بعد سوء إذ لا يتصور في الرسول الإصرار على الظلم .
ومن ألطف الإيماء الإتيان بفعل ( ظلم ) ليومئ إلى قول موسى يوم ارتكب الاعتداء ( رب إني ظلمت نفسي ) ولذلك تعين أن يكون المقصود ب ( من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ) موسى نفسه .
وقال الفراء والزجاج والزمخشري وجرى عليه كلام الضحاك : الاستثناء منقطع وحرف الاستثناء بمعنى الاستدراك فالكلام استطراد للتنبيه على أن من ظلم وبدل حسنا بعد سوء من الناس يغفر له . وعليه تكون ( من ) صادقة على شخص ظلم وليس المراد بها مخالفات بعض الرسل وهذا التأويل دعا إليه أن الرسالة تنافي سبق ظلم النفس . والذي حداهم إلى ذلك أن من مقتضى الاستثناء المتصل إثبات نقيض حكم المستثنى أنه مغفور له فلا خلاف عليه . ويفهم منه أنه لو ظلم ولم يبدل حسنا بعد سوء يخاف عذاب الآخرة .
أما الزمخشري فزاد على ما سلكه الفراء والزجاج فجعل ما صدق ( من ظلم ) رسولا ظلم . والذي دعاه إلى اعتبار الاستثناء منقطعا هو أحد الداعيين اللذين دعيا الفراء والزجاج وهو أن الحكم المثبت للمستثنى ليس نقيضا لحكم المستثنى منه ولذلك جعل ما صدق ( من ظلم ) رسولا من الرسل ظلم بما فرط منه صغائر ليشمل موسى وهو واحد منهم .
A E وقد تحصل من الاحتمالين في معنى الاستثناء أن الرسل في حضرة الله ( أي حين القيام بواجبات الرسالة ) لا يخافون شيئا من المخلوقات لأن الله تعالى تكفل لهم السلامة ولا يخافون الذنوب لأن الله تكفل لهم العصمة . ولا يخافون عقابا على الذنوب لأنهم لا يقربونها وأن من عداهم إن ظلم نفسه ثم بدل حسنا بعد سوء أمن مما يخاف من عقاب الذنوب لأنه تدارك ظلمه بالتوبة وإن ظلم نفسه ولم يتب يخف عقاب الذنب فإن لم يظلم نفسه فلا خوف عليه . فهذه معان دل عليها الاستثناء باحتماليه وذلك إيجاز .
وفي تفسير ابن عطية أن أبا جعفر قرأ ( ألا من ظلم ) بفتح الهمزة ( ألا ) وتخفيف اللام فتكون حرف تنبيه ولا تعرف نسبة هذه القراءة لأبي جعفر فيما رأينا من كتب علم القراءات فلعلها رواية ضعيفة عن أبي جعفر .
وفعل ( بدل ) يقتضي شيئين : مأخوذا ومعطى فيتعدى الفعل إلى الشيئين تارة بنفسه كقوله تعالى في الفرقان ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) ويتعدى تارة إلى المأخوذ بنفسه وإلى المعطى بالباء على تضمينه معنى عاوض كما قال تعالى ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) أي لا تأخذوا خبيث المال وتضيعوا طيبة فإذا ذكر المفعولان منصوبين تعين المأخوذ والمبذول بالقرينة وإلا فالمجرور بالباء هو المبذول وإن لم يذكر إلا مفعول واحد فهو المأخوذ كقول امرئ القيس : .
وبدلت قرحا داميا بعد صحة ... فيا لك من نعمى تبدلن أبؤسا وكذلك قوله تعالى هنا ( ثم بدل حسنا بعد سوء ) أي أخذ حسنا بسوء فإن كلمة ( بعد ) تدل على أن ما أضيفت إليه هو الذي كان ثابتا ثم زال وخلفه غيره وكذلك ما يفيد معنى ( بعد ) كقوله تعالى ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) فالحالة الحسنة هي المأخوذة مجعولة في موضع الحالة السيئة .
( وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين [ 12 ] ) .
عطف على قوله ( وألق عصاك ) وما بينهما اعتراض بعد أن أراه آية انقلاب العصا ثعبانا أراه آية أخرى ليطمئن قلبه بالتأييد وقد مضى في طه التصريح بأنه أراه آية أخرى . والمقصود من ذلك أن يجعل له ما تطمئن له نفسه من تأييد الله تعالى إياه عند لقاء فرعون