وصاحب المفتاح مثل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض . ولما كان قول سليمان هذا صادرا بعد تقصيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال : ( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه ) لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحا له إن كان يرجى صلاحه أو إعداما له لئلا يلقن بالفساد غيره فيدخل الفساد في الجند ويكون عقابه نكالا لغيره . فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود . ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عين له من عمل أو تغيب عنه .
وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله . قال القرافي في تنقيح الفصول في آخر فصوله : سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهر الموذي هل يجوز ؟ فكتب وأنا حاضر : إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اه . قال القرافي : فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا ترك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله . قال القرافي : وقال أبو حنيفة إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله A : ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ) اه .
وقال الشيخ ابن أبي زيد في الرسالة : ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها . فقول سليمان ( لأعذبنه عذابا شديدا ) شريعة منسوخة .
أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش .
و ( أو ) تفيد أحد الأشياء فقوله ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول .
والسلطان : الحجة . والمبين : المظهر للحق المحتج بها . وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه .
وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين ( لأعذبنه ) ( لأذبحنه ) باللام المؤكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليعلم الجند ذلك حتى إذا فقد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجرا لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فعلته فينالهم العقاب .
وأما تأكيد جملة ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرر تغيبه لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة . فلما كان العقاب مؤكدا محققا فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادة في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد معادله . وبهذا يظهر أن ( أو ) الأولى للتخيير و ( أو ) الثانية للتقسيم . وقيل جيء بتوكيد جملة ( ليأتيني ) مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليبا . واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق .
وكتب في المصاحف ( لأذبحنه ) بلام ألف بعدها ألف حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادرا في كلامهم ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق احتمال النفي ولن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن على الحفظ لا على الكتابة فإن المصاحف ما كتبت حتى قرئ القرآن نيفا وعشرين سنة . وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب على حوافظهم .
وقرأ ابن كثير ( أو ليأتينني ) بنونين الأولى مشددة وهي نون التوكيد والثانية نون الوقاية . وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية لتلاقي النونات .
( فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين [ 22 ] إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم [ 23 ] وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ) .
الفاء لتفريع الحكاية عطفت جملة على جملة وضمير ( مكث ) للهدهد .
A E
