والمكث : البقاء في المكان وملازمته زمنا ما وفعله من باب كرم ونصر . وقرأه الجمهور بالأول . وقرأه عاصم وروح عن يعقوب بالثاني .
وأطلق المكث هنا على البطء لأن الهدهد لم يكن ماكثا بمكان ولكنه كان يطير وينتقل فإطلاق المكث على البطء مجاز مرسل لأن المكث يستلزم زمنا .
و ( غير بعيد ) صفة لاسم زمن أو اسم مكان محذوف منصوب على الظرفية أي مكث زمنا غير بعيد أو في مكان غير بعيد . وكلا المعنيين يقتضي أنه رجع إلى سليمان بعد زمن قليل .
و ( غير بعيد ) قريب قربا يوصف بضد البعد أي يوشك أن يكون بعيدا . وهذا وجه إيثار التعبير ب ( غير بعيد ) لأن ( غير ) تفيد دفع توهم أن يكون بعيدا وإنما يتوهم ذلك إذا كان القرب يشبه البعد .
والبعد والقرب حقيقتهما من أوصاف المكان ويستعاران لقلة الحصة بتشبيه الزمن القصير بالمكان القريب وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة قال تعالى ( وما قوم لوط منكم ببعيد ) .
والفاء في ( فقال ) عاطفة على ( مكث ) . وجعل القول عقيب المكث لأنه لما حضر صدر القول من جهته فالتعقيب حقيقي .
والقول المسند إلى الهدهد إن حمل على حقيقة القول وهو الكلام الذي من شأنه أن ينطق به الناس فقول الهدهد هذا ليس من دلالة منطق الطير الذي علمه سليمان لأن ذلك هو المنطق الدال على ما في نفوس الطير من المدركات وهي محدودة كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى ( علمنا منطق الطير ) . وليس للهدهد قبل بإدراك ما اشتمل عليه القول المنسوب إليه ولا باستفادة الأحوال من مشاهدة الأقوام والبلدان حتى تخطر في نفسه وحتى يعبر عنها بمنطقه الذي علم سليمان دلالته كما قدمناه . فهذا وحي لسليمان أجراه الله على لسان الهدهد .
وأما قول سليمان ( سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ) فيجوز أن يكون سليمان خشي أن يكون ذلك الكلام الذي سمعه من تلقاء الهدهد كلاما ألقاه الشيطان من جانب الهدهد ليضلل سليمان ويفتنه بالبحث عن مملكة موهومة ليسخر به كما يسخر المتثائب فعزم سليمان على استثبات الخبر بالبحث الذي لا يترك ريبة في صحته خزيا للشيطان .
ولنشتغل الآن بما اشتمل عليه هذا الكلام فابتداؤه ب ( أحطت بما لم تحط به ) تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكا تداني ملكه أو تفوقه في بعض أحوال الملك جعله الله مثلا له كما جعل علم الخضر مثلا لموسى عليه السلام لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو . وفيه استدعاء لإقباله على ما سيلقى إليه بشراشره لأهمية هذا المطلع في الكلام فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح ليكونوا على استعداد بما يفاجئهم من تلقائها ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل بمشاهدة آثار مثله في غيرها .
ومن فقرات الوزير ابن الخطيب الأندلسي : " فأخبار الأقطار مما تنفق فيه الملوك أسمارها وترقم ببديع هالاته أقمارها وتستفيد منه حسن السير والأمن من الغير فتستعين على الدهر بالتجارب . وتستدل بالشاهد على الغائب " اه .
والإحاطة : الاشتمال على الشيء وجعله في حوزة المحيط وهي هنا مستعارة لاستيعاب العلم بالمعلومات كقوله تعالى ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) فما صدق ( ما لم تحط به ) معلومات لم يحط بها علم سليمان .
وسبأ : بهمزة في آخره وقد يخفف اسم رجل هو عبشمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان . لقب بسبأ . قالوا : لأنه أول من سبى في غزوه . وكان الهمز فيه لتغييره العلمية عن المصدر . وهو جد جذم عظيم من أجذام العرب . وذريته كانوا باليمن ثم تفرقوا كما سيأتي في سورة سبإ . وأطلق هذا الاسم هنا على ديارهم لأن ( من ) ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالبا .
A E