و ( تشهدون ) مضارع شهد المستعمل بمعنى حضر كقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر ) أي حتى تحضرون وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات وذلك تعد على التوسع لكثرته وحق الفعل أن يعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف . يقال : شهد عند فلان وشهد مجلس فلان . ويقال : شهد الجمعة . وفعل ( تشهدون ) هنا مستعمل كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالبا إذ لا تقع مشاورة مع غائب .
والنون في ( تشهدون ) نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفا وألقيت كسرة النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسورا ونون الوقاية دالة على المحذوف .
وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلا ووقفا . وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلا ووقفا .
A E وفي قولها ( حتى تشهدون ) كناية من معنى : توافقوني فيما أقطعه أي يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة : إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن عن استشارته إذ سكوته موافقة . ولذلك قال فقهاؤنا : إن على القاضي إذا جلس للقضاء أن يقضي بمحضر أهل العلم أو مشاورتهم . وكان عثمان يقضي بمحضر أهل العلم وكان عمر يستشيرهم وإن لم يحضروا . وقال الفقهاء إن سكوتهم مع حضورهم تقرير لحكمه .
وليس في هذه الآية دليل على مشروعية الشورى لأنها لم تحك شرعا إلهيا ولا سيق مساق المدح ولكنه حكاية ما جرى عند أمة غير متدينة بوحي إلهي ؛ غير أن شأن القرآن فيما يذكره من القصص أن يذكر المهم منها للموعظة أو للإسوة كما قدمنه في المقدمة السابعة . فلذلك يستروح من سياق هذه الآية حسن الشورى . وتقدم ذكر الشورى في سورة آل عمران .
( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين [ 33 ] ) .
جواب بأسلوب المحاورة فلذلك فصل ولم يعطف كما هي طريقة المحاورات . أرادوا من قولهم : نحن جماعة الملكة الذين هم من أهل الحرب . فهو من إخبار عرفاء القوم عن حال جماعتهم ومن يفوض أمرهم إليهم . والقوة : حقيقتها ومجازها تقدم عند قوله تعالى ( فخذها بقوة ) في سورة الأعراف . وأطلقت على وسائل القوة كما تقدم في قوله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) في سورة الأنفال أي وسائل القدرة على القتال والغلبة ومن القوة كثرة القادرين على القتال والعارفين بأساليبه .
والبأس : الشدة على العدو قال تعالى ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) أي في مواقع القتال وقال ( بأسهم بينهم شديد ) . وهذا الجواب تصريح بأنهم مستعدون للحرب للدفاع عن ملكهم وتعريض بأنهم يميلون إلى الدفع بالقوة إن أراد أن يكرههم على الدخول تحت طاعته لأنهم حملوا ما تضمنه كتابه على ما قد يفضي إلى هذا .
ومع إظهار هذا الرأي فوضوا الأمر إلى الملكة لثقتهم بأصالة رأيها لتنظر ما تأمرهم فيمتثلونه فحذف مفعول ( تأمرين ) ومتعلقه لظهورهما من المقام والتقدير : ما تأمريننا به أي إن كان رأيك غير الحرب فمري به نطعك .
وفعل ( انظري ) معلق عن العمل بما بعده من الاستفهام وهو ( ماذا تأمرين ) .
وتقدم الكلام على ( ماذا ) في قوله ( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ) في سورة النحل .
( قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون [ 34 ] وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون [ 35 ] ) .
( قالت ) جواب محاورة فلذلك فصل
