ارفق بعمرو إذا حركت نسبته فإنه عربي من قوارير يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حركت تكسرت . وقد تقدم ذكر الزجاج عند قوله تعالى ( المصباح في زجاجة ) في سورة النور .
( قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العلمين [ 44 ] ) .
بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه مؤيد من الله تعالى وعلمت أن دينها ودين قوها باطل فاعترفت بأنها ظلمت نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس . وهذا درجة أولى في الاعتقاد وهو درجة التخلية ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحلي بالإيمان الحق فقالت : ( وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) فاعترفت بأن الله هو رب جميع الموجودات وهذا مقام التوحيد .
وفي قولها ( مع سليمان ) إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين اليهودية وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام .
وجملة ( قالت رب إني ظلمت نفسي ) جواب عن قول سليمان ( إنه صرح ممرد من قوارير ) ولذلك لم تعطف .
والإسلام : الانقياد إلى الله تعالى . وتقلد بلقيس للتوحيد كان في خاصة نفسها لأنها دانت لله بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام كما يأتي في سورة سبأ . وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة البروج . وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها وللقصاصين أخبار لا تصح فهذا تمام القصة .
ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة إذ لم يصدها علو شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الاسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه . ولا أصل لما يذكره القصاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس ولا أن له ولدا منها . فان رحبعام ابنه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عمونية .
( ولقد أسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقن يختصمون [ 45 ] ) .
هذا مثل ثالث ضربه الله لحال المشركين مع المؤمنين وجعله تسلية لرسوله A بأن له أسوة بالرسل والأنبياء من قبله .
A E والانتقال من ذكر ملك سليمان وقصة ملكة سبأ إلى ذكر ثمود ورسولهم دون ذكر عاد لمناسبة جوار البلاد لأن ديار ثمود كانت على تخوم مملكة سليمان وكانت في طريق السائر من سبأ إلى فلسطين .
ألا ترى أنه أعقب ذكر ثمود بذكر قوم لوط وهم أدنى إلى بلاد فلسطين فكان سياق هذه القصص مناسبا لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين . ولما كان ما حل بالقوم أهم ذكرا في هذا المقام قدم المجرور على المفعول لأن المجرور هو محل العبرة وأما المفعول فهو محل التسلية والتسلية غرض تبعي .
ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر ؛ فإما أن يكون التأكيد لمجرد الاهتمام وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربهم على لسانه . وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك .
و ( أن اعبدوا الله ) تفسير لما دل عليه ( أرسلنا ) من معنى القول . وفرع على ( أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ) الخ ( إذا هم فريقان يختصمون ) . فالمعنى : أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق .
والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنه غير مترقب ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء الكفر فيهم كاف في قبح فعلهم . وحالهم هذا مساو لحال قريش تجاه الرسالة المحمدية . وأعيد ضمير ( يختصمون ) على المثنى وهو ( فريقان ) باعتبار اشتمال الفريقين على عدد كثير . كقوله تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) ولم يقل : اقتتلنا
