والمهلك : مصدر ميمي من أهلك الرباعي أي شهدنا إهلاك من أهلكهم . وقولهم ( وإنا لصادقون ) هو من جملة ما هيأوا أن يقولوه فهو عطف على ( ما شهدنا مهلك ) أي ونؤكد إنا لصادقون . ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم صادقون .
وقرأ الجمهور ( لنبيتنه ) بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون التوكيد . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء الأصلية قبل نون التوكيد . وذلك على تقدير : أمر بعضهم لبعض . وهكذا قرأ الجمهور ( لنقولن ) بنون الجماعة في أوله وفتح اللام . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام .
وولي صالح هم أقرب القوم إذا راموا الأخذ بثأره .
وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة . وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقت تآمر فيه المشركون على الإيقاع بالنبي A وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ؛ فضرب الله لهم مثلا بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرهم وكيف كان عاقبة مكرهم ولذلك ترى بين الآيتين تشابها وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون .
( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون [ 50 ] فانظر كيف كان عقبة مكرهم إنا دمرنهم وقومهم أجمعين [ 51 ] فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون [ 52 ] وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون [ 54 ] ) .
سمى الله تآمرهم مكرا لأنه كان تدبير ضر في خفاء . وأكد مكرهم بالمفعول المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر وتنوينه للتعظيم .
والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي . استعير لفظ المكر لمبادرة الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله وتأخيره استئصالهم أي الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشبه فعل الله ذلك بفعل الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة مع عدم إشعار من يفعل به .
وأكد مكر الله وعظم كما أكد مكرهم وعظم وذلك بما يناسب جنسه فإن عذاب الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس .
والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة ( إنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) الآية .
وفي قوله ( وهم لا يشعرون ) تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال فليس في ذلك ترشيح للاستعارة ولا تجريد .
A E والخطاب في قوله ( فانظر ) للنبي A . واقترانه بفاء التفريع إيماء إلى أن الاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سوق القصة تعريضا بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكف عنهم كيدهم وينصره عليهم وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه .
والنظر : نظر قلبي وقد علق على المفعولين بالاستفهام .
وقرأ الجمهور ( إنا دمرناهم ) بكسر الهمزة فتكون الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لما يثيره الاستفهام في قوله ( كيف كان عاقبة مكرهم ) من سؤال عن هذه الكيفية . والتأكيد للاهتمام بالخبر . وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلا من ( عاقبة ) . والتأكيد أيضا للاهتمام .
وضمير الغيبة في ( دمرناهم ) للرهط . وعطف ( قومهم ) عليهم لموافقة الجزاء للمجزي عليه لأنهم مكروا بصالح وأهله فدمرهم الله وقومهم .
والتدمير : الإهلاك الشديد وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء .
والقصة تقدمت . وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن الله أوحى إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام .
وتفريع قوله ( فتلك بيوتهم خاوية ) على جملة ( دمرناهم ) لتفريع الإخبار . والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرهم إلى الشام .
وانتصب ( خاوية ) على الحال . وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل كقوله تعالى ( وهذا بعلي شيخا ) . وقد تقدم في سورة هود .
والخاوية : الخالية ومصدره الخواء أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ساكن بها
