والباء في ( بما ظلموا ) للسببية و ( ما ) مصدرية أي كان خواؤها بسبب ظلمهم . والظلم : الشرك وتكذيب رسولهم فذلك ظلم في جانب الله لأنه اعتداء على حق وحدانيته وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق .
ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب بلادهم . وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب الله أن الظلم يخرب البيوت وتلا : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) . وهذا من أسلوب أخذ كل ما يحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير .
ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلا في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يرد بعضها إلى بعض باختلاف الاعتبار . فالشرك مثلا حثيثة معروفة يكون بها جنسا عقليا وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه ومثل الفسق فإنه من آثاره وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضا ( وذرني والمكذبين ) ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضا . فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم ناهيك أن الشرك من أنواعه . وكذلك قوله ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله هدى كثيرا من المسرفين والكاذبين بالتوبة ومن قوله ( أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) ونحو ذلك .
وجملة ( إن في ذلك لآية ) معترضة بين الجمل المتعاطفة . والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم . والآية : الدليل على انتصار الله لرسله .
واللام في قوله ( لقوم يعلمون ) لام التعليل يعني آية لأجلهم أي لأجل إيمانهم . وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون .
وفي ذكر كلمة ( قوم ) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية كما تقدم في قوله تعالى ( لآيات لقوم يعقلون ) في سورة البقرة .
A E وفي تأخير جملة ( وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ) عن جملة ( إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) طمأنه لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه . وقيل : كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف فلما أراد الله إهلاك ثمود أوحى الله إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرس فكان أصحاب الرس من ذرياتهم . وقيل : نزلوا شاطئ اليمن وبنوا مدينة حضرموت . وفي بعض الروايات أن صالحا نزل بفلسطين . وكلها أخبار غير موثوق بها .
وزيادة فعل الكون في ( وكانوا يتقون ) للدلالة على أنهم متمكنون من التقوى .
( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون [ 54 ] أبنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون [ 55 ] ) .
عطف ( لوطا ) على ( صالحا ) في قوله السابق ( ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ) . ولا يمنع من العطف أن العامل في المعطوف تعلق به قوله ( إلى ثمود ) لأن المجرور ليس قيدا لمتعلقه ولكنه كواحد من المفاعيل فلا ارتباط له بالمعطوف على مفعول آخر . فإن الإتباع في الإعراب يميز المعطوف عليه من غيره . وقد سبق نظير هذا في سورة الأعراف . ولم يذكر المرسل إليهم هنا كما ذكر في قصة ثمود لعدم تمام المشابهة بين قوم لوط وبين قريش فيما عدا التكذيب والشرك . ويجوز أن ينصب ( ولوطا ) بفعل مقدر تقديره : واذكر لوطا لأن وجود ( إذ ) بعده يقربه من نحو ( وإذ قال ربك للملائكة ) .
وتعقيب قصة ثمود بقصة قوم لوط جار على معتاد القرآن في ترتيب قصص هذه الأمم فإن قوم لوط كانوا متأخرين في الزمن عن ثمود