وإنما الذي يستشير سؤالا هنا هو . الاقتصار على قصة قوم لوط دون قصة عاد وقصة مدين . وقد بينته آنفا أنه لمناسبة مجاورة ديار قوم لوط لمملكة سليمان ووقوعها بين ديار ثمود وبين فلسطين وكانت ديارهم ممر قريش إلى بلاد الشام قال تعالى ( وإنها لبسبيل مقيم ) وقال ( وإنكم لتمرون عليه مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ) .
وظرف ( إذ ) يتعلق ب ( أرسلنا ) أو ب ( اذكر ) المقدرين .
والاستفهام في ( أتأتون ) إنكاري .
وجملة ( وأنتم تبصرون ) حال زيادة التشنيع أي تفعلون ذلك علنا يبصر بعضكم بعضا فإن التجاهر بالمعصية معصية لأنه يدل على استحسانها وذلك استخفاف بالنواهي .
وقوله ( أينكم لتأتون ) تقدم في الأعراف ( إنكم لتأتون ) فهنا جيء بالاستفهام الإنكاري وما في الأعراف جاء لخبر المستعمل في الإنكار فيجوز أن يكون اختلاف الحكاية لاختلاف المحكي بأن يكون لوط قد قال لهم المقالتين في مقامين مختلفين . ويجوز أن يكون اختلاف الحكاية تفننا مع اتحاد المعنى . وكلا الأسلوبين يقع في قصص القرآن لأن في تغيير الأسلوب تجديدا لنشاط السامع .
على أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحمزة وأبا بكر عن عاصم قرأوا ما في سورة الأعراف بهمزتين فاستوت الآيتان على قراءة هؤلاء . وقد تقدمت وجوه ذلك في سورة الأعراف .
ووقع في الأعراف ( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) ولم يذكر هنا لأن ما يجري في القصة لا يلزم ذكر جميعه . وكذلك القول في عدم ذكر ( وأنتم تبصرون ) في سورة الأعراف مع ذكره هنا .
ونظير بقية الآية تقدم في سورة الأعراف إلا أن الواقع هنا ( بل أنتم قوم تجهلون ) فوصفهم بالجهالة وهي اسم جامع لأحوال أفن الرأي وقساوة القلب .
وفي الأعراف وصفهم بأنهم قوم مسرفون وذلك يحمل على اختلاف المقالتين في مقامين .
وفي إقحام لفظ ( قوم ) في الآيتين من الخصوصية ما تقدم آنفا في قوله في هذه السورة ( إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) .
ورجع في قوله ( تجهلون ) جانب الخطاب على جانب الغيبة فلم يقل : يجهلون بياء الغيبة وكلاهما مقتضى الظاهر لأن الخطاب أقوى دلالة كما قرئ في قوله ( بل أنتم قوم تفتنون ) .
( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [ 56 ] فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين [ 57 ] وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين [ 58 ] ) A E تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله ( فما كان جواب قومه ) دون الواو وبقوله ( أخرجوا آل لوط ) عوض ( أخرجوهم ) وبقوله ( قدرناها ) عوض ( كانت ) وبقوله ( فساء مطر المنذرين ) عوض ( فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) .
فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار وهي في ذلك مساوية للواو . ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى ( فإذا هم فريقان يختصمون ) فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنن في الحكاية ومراعاة للنظير في النسج . وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمة هذا التفسير .
وكذلك قوله ( أخرجوا آل لوط ) دون ( أخرجوهم ) لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط ؛ فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنن أيضا .
وكذلك الاختلاف بين ( قدرناها ) هنا وبين ( كانت ) في الأعراف . وأما الاختلاف بين ( فساء مطر المنذرين ) وبين ( فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) فهما عبرتان بحالهم تفرعتا على وصف ما حل بهم فوزعت العبرتان على الآيتين لئلا يخلو تكرير القصة من فائدة .
والمراد بآل لوط لوط وأهل بيته لأن رب البيت ملاحظ في هذا الاستدلال كقوله تعالى ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) أراد فرعون وآله .
( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى )
