لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالا بأحوال المكذبين بمحمد A وبالكتاب الذي انزل عليه وفي خلال ذلك وحفا فيه تسلية النبي A على ما يلقاه من قومه اقبل الله بالخطاب إلى الرسول A يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصا واستنتاجا منها وشكر الله على المقصود منها .
فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت . أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات . وعلى أن اهلك الأعداء الظالمين كقوله ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ونظيره قوله في سورة العنكبوت ( قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) وقوله في آخر هذه السورة ( وقل الحمد لله سيريكم ) الآية . فأمر الرسول A بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء إلى وعد الرسول A بالنصر على أعدائه . فقوله ( قل الحمد لله ) أمر للرسول A بإنشاء حمد الله . وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة .
وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بان يتبعه بالسلام على الرسل الذين سبقوه قدرا لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق .
وأصل ( سلام ) سلمت سلاما مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم مفعوله المطلق بدلا عنه . وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات الدوام كما تقدم عند قوله ( الحمد لله ) في أول سورة الفاتحة .
والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ : سلام عليك أو السلام عليك . ومعناه سلامة وأمن ثابت لك لا نكول فيه لما تؤذن به ( على ) من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في ( أولئك على هدى من ربهم ) .
A E وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحن أو يكون من أحدهما إغراء بالآخر فكان لفظ ( السلام عليك ) كالعهد بالأمان . ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ونية الإعانة والقرى شاع إطلاق كلمة : السلام عليك ونحوها عند قصد الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو له بالسلامة في حياته . فلذلك قال تعالى ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) كما تقدم في سورة النور . وصار قول : السلام بمنزلة قول : حياك الله ولكنهم خصوا كلمة ( حياك الله ) بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة ( السلام عليكم ) بهذا إلى طور آخر من أطوار استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم .
ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين Bهم من عباده في الدنيا كقوله حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله ( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ) . وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى ( ويوم أبعث حيا ) وقوله في أهل الجنة ( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم ) .
وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات . وأيضا أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) أي قولوا : السلام عليك أيها النبي لأن مادة التفعيل قد يؤتى بها للدلالة على قول منحوت في صيغة التفعيل فقوله ( سلموا تسليما ) معناه : قولوا كلمة السلام . مثل بسمل إذا قال : بسم الله وكبر إذا قال : الله أكبر . وفي الحديث ( تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ) .
ومعنى ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد المصطفين أي أن يجعل لهم ذكرا حسنا في الملأ الأعلى
