وقوله تعالى ( من آمن ) يجوز أن تكون ( من ) شرطا في موضع المبتدأ ويكون ( فلهم أجرهم ) جواب الشرط والشرط مع الجواب خبر إن فيكون المعنى إن الذين آمنوا من يؤمن بالله منهم فله أجره وحذف الرابط بين الجملة وبين اسم إن لأن من الشرطية عامة فكان الرابط العموم الذي شمل المبتدأ أعني اسم إن ويكون معنى الكلام على الاستقبال لوقوع الفعل الماضي في حيز الشرط أي من يؤمن منهم بالله ويعمل صالحا فله أجره ويكون المقصود منه فتح باب الإنابة لهم بعد أن قرعوا بالقوارع السالفة وذكر معهم من الأمم من لم يذكر عنهم كفر لمناسبة ما اقتضته العلة في قوله ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون ) وتذكيرا لليهود بأنهم لا مزية لهم على غيرهم من الأمم حتى لا يتكلوا على الأوهام أنهم أحباء الله وأن ذنوبهم مغفورة . وفي ذلك أيضا إشارة إلى أن المؤمنين الخالصين من اليهود وغيرهم ممن سلف مثل النقباء الذين كانوا في المناجاة مع موسى ومثل يوشع بن نون وكالب بن يفنه لهم هذا الحكم وهو أن لهم أجرا عند ربهم لأن إناطة الجزاء بالشرط المشتق مؤذن بالتعليل بل السابقون بفعل ذلك قبل التقييد بهذا الشرط أولى بالحكم فقد قضت الآية حق الفريقين .
ويجوز أن تكون ( من ) موصولة بدلا من اسم إن والفعل الماضي حينئذ باق على المضي لأنه ليس ثمة ما يخلصه للاستقبال ودخلت الفاء في ( فلهم أجرهم ) إما على أنها تدخل في الخبر نحو قول الشاعر وهو من شواهد كتاب سيبوية " وقائلة خولان فانكح فتاتهم " ونحو ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ) عند غير سيبوية . وإما على أن الموصول عومل معاملة الشرط للإيذان بالتعليل فإدخلت الفاء قرينة على ذلك .
ويكون المفاد من الآية حينئذ استثناء صالحي بني إسرائيل من الحكم بضرب الذلة والمسكنة والغضب من الله ويكون ذكر بقية صالحي الأمم معهم على هذا إشارة إلى أن هذه سنة الله في معاملته خلقه ومجازاته كلا على فعله .
وقد استشكل ذكر الذين آمنوا في عداد هؤلاء وإجراء قوله ( من آمن بالله ) عليهم مع أنهم مؤمنون فذكرهم تحصيل الحاصل فقيل أريد به خصوص المؤمنين بألسنتهم فقط وهم المنافقون . وقيل أراد به الجميع وأراد بمن آمن من دام بالنسبة للمخلصين ومن أخلص بالنسبة للمنافقين . وهما جوابان في غاية البعد . وقيل يرجع قوله ( من آمن بالله واليوم الآخر ) لخصوص الدين الذين هادوا والنصارى والصابين دون المؤمنين بقرينة المقام لأنهم وصفوا بالذين آمنوا وهو حسن . وعندي أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك لأن الشرط والصلة تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح . والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلا فقد بقي عليهم العمل الصالح فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين فقد علم كل أناس مشربهم وترجع كل صفة لمن يفتقر إليها كلا أو بعضا .
ومعنى من آمن بالله الإيمان الكامل وهو الإيمان برسالة محمد A بقرينة المقام وقرينة قوله ( وعمل صالحا ) إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعي لقوله تعالى ( ثم كان من الذين آمنوا ) . وقد عد عدم الإيمان برسالة محمد A بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة المعجزات القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول المتحدي بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى في ذلك التصديق فذلك المكابر غير مؤمن بالله الإيمان الحق . وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد A فيكون معنى الآية كمعنى قوله A فيما ذكر من يؤتي أجره مرتين " ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم أمن بي فله أجران " .
وأما القائلون بأنها منسوخة فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله A إلى أن ينظروا فلما عاندوا نسخها بقوله ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر .
A E