وقوله تعالى ( فلهم أجرهم عند ربهم ) أطلق الأجر على الثواب مجازا لأنه في مقابلة العمل الصالح والمراد به نعيم الآخرة وليس أجرا دنيويا بقرينة المقام وقوله ( عند ربهم ) عندية مجازية مستعملة في تحقيق الوعد كما تستعمل في تحقيق الإقرار في قولهم لك عندي كذا . ووجه دلالة عند في نحو هذا على التحقق أن عند دالة على المكان فإذا أطلقت في غير ما من شأنه أن يحل في مكان كانت مستعملة في لازم المكان وهو وجود ما من شأنه أن يكون في مكان على أن إضافة عند لاسم الرب تعالى مما يزيد الأجر تحققا لأن المضاف إليه أكرم الكرماء فلا يفوت الأجر الكائن عنده .
وإنما جمع الضمير في قوله ( أجرهم عند ربهم ) مراعاة لما صدق من وأفرد شرطها أو صلتها مراعاة للفظها ومما حسن ذلك هنا وجعله في الموقع الأعلى من البلاغة أن هذين الوجهين الجائزين عربية في معاد الموصولات وأسماء الشروط قد جمع بينهما على وجه أنبأ على قصد العموم في الموصول أو الشرط فلذلك أتى بالضمير الذي في صلته أو فعله مناسبا للفظه لقصد العموم ثم لما جيء بالضمير مع الخبر أو الجواب جمع ليكون عودا على بدء فيرتبط باسم ( إن ) الذي جيء بالموصول أو الشرط بدلا منه أو خبرا عنه حتى يعلم أن هذا الحكم العام مراد منه ذلك الخاص أولا كأنه قيل إن الذين آمنوا إلخ كل من آمن بالله وعمل إلخ فلأولئك الذين آمنوا أجرهم فعلم أنهم مما شمله العموم على نحو ما يذكره المناطقة في طي بعض المقدمات للعلم به . فهو من العام الوارد على سبب خاص .
وقوله ( ولا خوف عليهم ) قراءة الجمهور بالرفع لأن المنفي خوف مخصوص وهو خوف الآخرة . والتعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي وهو لا خوف عليهم لإفادة نفي جنس الخوف نفيا قارا لدلالة الجملة الاسمية على الدوام والثبات والتعبير في نفي خوف بالخبر الفعلي وهو يحزنون لإفاد تخصيصهم بنفي الحزن في الآخرة أي بخلاف غير المؤمنين . ولما كان الخوف والحزن متلازمين كانت خصوصية كل منهما سارية في الآخر . واعلم أن قوله ( فلهم أجرهم ) مقابل لقوله ( وباءوا بغضب من الله ) ولذلك قرن بعند الدالة على العناية والرضى . وقوله ( ولا خوف عليهم ) مقابل وضربت عليهم الذلة لأن الذلة ضد العزة فالذليل خائف لأنه يخشى العدوان والقتل والغزو وأما العزيز فهو شجاع لأنه لا يحشى ضرا ويعلم أن ما قدره له فهو كائن قال تعالى ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وقوله ( ولا هم يحزنون ) مقابل قوله ( والمسكنة ) لأن المسكنة تقضي على صاحبها بالحزن وتمنى حسن العيش قال تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فالخوف المنفي هو الخوف الناشئ عن الذلة والحزن المنفي هو الناشئ عن المسكنة .
( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ماء آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون [ 63 ] ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته ولكنتم من الخاسرين [ 64 ] ) A E