( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين [ 4 ] ) وهذه الجملة وما عطف عليها بيان لجملة ( نتلوا ) أو بيان ل ( نبأ موسى وفرعون ) فقدم له الإجمال للدلالة على أنه نبأ له شأن عظيم وخطر بما فيه من شتى العبر . وافتتاحها بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر .
A E وابتدأت القصة بذكر أسبابها لتكون عبرة للمؤمنين يتخذون منها سننا يعلمون بها علل الأشياء ومعلولاتها ويسيرون في شؤونهم على طرائقها فلولا تجبر فرعون وهو من قبيح الخلال ما حل به وبقومه الاستئصال ولما خرج بنو إسرائيل من ذل العبودية . وهذا مصداق المثل : مصائب قوم عند قوم فوائد وقوله تعالى ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) .
وصورت عظمة فرعون في الدنيا بقوله ( علا في الأرض ) لتكون العبرة بهلاكه بعد ذلك العلو أكبر العبر .
ومعنى العلو هنا الكبر وهو المذموم من العلو المعنوي كالذي في قوله تعالى ( نجعلها للذين لا يرجون علوا في الأرض ) . ومعناه أن يستشعر نفسه عليا على موضع غيره ليس يساويه أحد فالعلو مستعار لمعنى التفوق على غيره غير محقوق لحق من دين أو شريعة أو رعي حقوق المخلوقات معه فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته برعي صلاح وتجنب فساد وضر وإنما يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه وحسبك أن فرعون كان يجعل نفسه إلها وأنه ابن الشمس .
فليس من العلو المذموم رجحان أحد في أمر من الأمور لأنه جدير بالرجحان فيه جريا على سبب رجحان عقلي كرجحان العالم على الجاهل والصالح على الطالح والذكي على الغبي أو سبب رجحان عادي ويشمل القانوني وهو كل رجحان لا يستقيم نظام الجماعات إلا بمراعاته كرجحان أمير الجيش على جنوده ورجحان القاضي على المتخاصمين .
وأعدل الرجحان ما كان من قبل الدين والشريعة كرجحان المؤمن على الكافر والتقي على الفاسق قال تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) ويترجح في كل عمل أهل الخبرة به والإجادة فيه وفيما وراء ذلك فالأصل المساواة .
وفرعون هذا هو ( رعمسيس ) الثاني وهو الملك الثالث من ملوك العائلة التاسعة عشرة في اصطلاح المؤرخين للفراعنة وكان فاتحا كبيرا شديد السطوة وهو الذي ولد موسى عليه السلام في زمانه على التحقيق .
والأرض : هي أرض مصر فالتعريف فيها للعهد لأن ذكر فرعون يجعلها معهودة عند السامع لأن فرعون اسم ملك مصر . ويجوز أن تجعل المراد بالأرض جميع الأرض يعني المشهور المعروف منها فإطلاق الأرض كإطلاق الاستغراق العرفي فقد كان ملك فرعون ( رعمسيس ) الثاني ممتدا من بلاد الهند من حدود نهر ( الكنك ) في الهند إلى نهر الطونة في أوربا فالمعنى أرض مملكته وكان علوه أقوى من علو ملوك الأرض وسادة الأقوام .
والشيع : جمع شيعة . والشيعة : الجماعة التي تشيع غيرها على ما يريد أي تتابعه وتطيعه وتنصره كما قال تعالى ( هذا من شيعته وهذا من عدوه ) وأطلق على الفرقة من الناس على سبيل التوسع بعلاقة الإطلاق عن التقييد قال تعالى ( من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) .
ومن البلاغة اختياره هنا ليدل على أنه جعل أهل بلاد القبط فرقا ذات نزعات تتشيع كل فرقة إليه وتعادي الفرقة الأخرى ليتم لهم ضرب بعضهم ببعض وقد أغرى بينهم العداوة ليأمن تألبهم عليه كما يقال ( فرق تحكم ) وهي سياسة لا تليق إلا بالمكر بالضد والعدو ولا تليق بسياسة ولي أمر الأمة الواحدة .
وكان ( رعمسيس ) الثاني قسم بلاد مصر إلى ست وثلاثين إيالة وأقام على كل إيالة أمراء نوابا عنه ليتسنى له ما حكي عنه في هذه الآية بقوله تعالى ( يستضعف طائفة منهم ) الواقع موقع الحال من ضمير ( جعل ) وأبدلت منها بدل اشتمال جملة ( يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ) لأنه ما فعل ذلك بهم إلا لأنه عدهم ضعفاء أي أذلة فكان يسومهم العذاب ويسخرهم لضرب اللبن وللأعمال الشاقة . والطائفة المستضعفة هي طائفة بني إسرائيل وضمير ( منهم ) عائد إلى أهلها لا إلى ( شيعا ) . وتقدم الكلام على ذبح أبناء بني إسرائيل في سورة البقرة
