وجملة ( إنه كان من المفسدين ) تعليل لجملة ( إن فرعون علا في الأرض ) . وقد علمت مما مضى عند قوله ( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) في البقرة أن الخبر بتلك الصيغة أدل على تمكن الوصف مما لو قيل : أن أكون جاهلا فكذلك قوله ( إنه كان من المفسدين ) دال على شدة تمكن الإفساد من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه .
فحصل تأكيد لمعنى تمكن الإفساد من فرعون ذلك أن فعله هذا اشتمل على مفاسد عظيمة .
A E المفسدة الأولى : التكبر والتجبر فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته فيهم وسوء ظنه بهم وأن لا يرقب فيهم موجبات فضل سوى ما يرضي شهوته وغضبه فإذا انضم إلى ذلك أنه ولي أمرهم وراعيهم كانت صفة الكبر مقتضية سوء رعايته لهم والاجتراء على دحض حقوقهم وأن يرمقهم بعين الاحتقار فلا يعبأ بجلب الصالح لهم ودفع الضر عنهم وأن يبتز منافعهم لنفسه ويسخر من استطاع منهم لخدمة أغراضه وأن لا يلين لهم في سياسة فيعاملهم بالغلظة وفي ذلك بث الرعب في نفوسهم من بطشه وجبروته . فهذه الصفة هي أم المفاسد وجماعها ولذلك قدمت على ما يذكر بعدها ثم أعقبت بأنه كان من المفسدين .
المفسدة الثانية : أنه جعل أهل المملكة شيعا وفرقهم أقساما وجعل منهم شيعا مقربين منه ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك وذلك فساد في الأمة لأنه يثير بينهما التحاسد والتباغض ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين . وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فتنة وشأن الملك الصالح أن يجعل الرعية منه كلها بمنزلة واحدة بمنزلة الأبناء من الأب يحب لهم الخير ويقومهم بالعدل واللين لا ميزة لفرقة على فرقة ويكون اقتراب أفراد الأمة منه بمقدار المزايا النفسية والعقلية .
المفسدة الثالثة : أنه يستضعف طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة مهضومة الجانب لا مساواة بينها وبين فرق أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به الفرق الأخرى في حين أن لها من الحق في الأرض ما لغيرها لأن الأرض لأهلها وسكانها الذين استوطنوها ونشأوا فيها .
والمراد بالطائفة : بنو إسرائيل وقد كانوا قطنوا في أرض مصر برضى ملكها في زمن يوسف وأعطوا أرض ( جاسان ) وعمروها وتكاثروا فيها ومضى عليهم فيها أربعمائة سنة فكان لهم من الحق في أرض المملكة ما لسائر سكانها فلم يكن من العدل جعلهم بمنزلة دون منازل غيرهم وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى ( طائفة منهم ) إذ جعلها من أهل الأرض الذين جعلهم فرعون شيعا .
وأشار بقوله ( طائفة ) إلى أنه استضعف فريقا كاملا فأفاد ذلك أن الاستضعاف ليس جاريا على أشخاص معينين لأسباب تقضي استضعافهم ككونهم ساعين بالفساد أو ليسوا أهلا للاعتداد بهم لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم بل جرى استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية وذلك فساد لأنه يقرن الفاضل بالمفضول .
من أجل ذلك الاستضعاف المنوط بالعنصرية أجرى شدته على أفراد تلك الطائفة دون تمييز بين مستحق وغيره ولم يراع النوعية من ذكورة وأنوثة وهي : المفسدة الرابعة : أنه يذبح أبناءهم أي يأمر بذبحهم فإسناد الذبح إليه مجاز عقلي . والمراد بالأبناء : الذكور من الأطفال . وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة . وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل قوة من رجال قبيلتهم حتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة .
المفسدة الخامسة : أنه يستحيي النساء أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال فأطلق عليهن اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج . وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق . وقد تقدم آنفا موقع جملة ( إنه كان من المفسدين )
