ومعنى ( ادع لنا ) يحتمل أن يراد منه الدعاء الذي هو طلب بخضوع وحرص على إجابة المطلوب فيكون في الكلام رغبتهم في حصول البيان لتحصيل المنفعة المرجوة من ذبح بقرة مستوفية للصفات المطلوبة في القرابين المختلفة المقاصد بنوه على ما ألفوه من الأمم عبدة الأوثان من اشتراط صفات وشروط في القرابين المقربة تختلف باختلاف المقصود من الذبيحة ويحتمل أنهم أرادوا مطلق السؤال فعبروا عنه بالدعاء لأنه طلب من الأدنى إلى الأعلى . ويحتمل أنهم أرادوا من الدعاء النداء الجهير بناء على وهمهم أن الله بعيد المكان فسائله يجهر بصوته . وقد نهى المسلمون عن الجهر بالدعاء في صدر الإسلام واللام في قوله لنا لام الأجل أي ادع عنا وجزم يبين في جواب ادع لتنزيل المسبب منزلة السبب أي إن تدعه يسمع فيبين وقد تقدم .
وقوله ( ما هي ) حكى سؤالهم بما يدل عليه بالسؤال بما في كلام العرب وهو السؤال عن الصفة لأن ( ما ) يسأل بها عن الصفة كما يقول من يسمع الناس يذكرون حاتما أو الأحنف وقد علم أنهما رجلان ولم يعلم صفتيهما ما حاتم ؟ أو ما الأحنف ؟ فيقال كريم أو حليم وليس ( ما ) موضوعة للسؤال عن الجنس كما توهمه بعض الواقفين على كلام الكشاف فتكلفوا لتوجيهه حيث إن جنس البقرة معلوم بأنهم نزلوا هاته البقرة المأمور بذبحها منزلة فرد من جنس غير معلوم لغرابة حكمة الأمر بذبحها وظنوا أن الموقع هنا للسؤال ب " أي " أو " كيف " وهو وهم نبه عليه التفتزاني في شرح الكشاف واعتضد له بكلام المفتاح إذ جعل الجنس والصفة قسمين للسؤال بما . والحق أن المقام هنا للسؤال بما لأن أيا إنما يسأل بها عن مميز الشيء عن أفراد من نوعه التبست به وعلامة ذلك ذكر المضاف إليه مع أي نحو " أي الفريقين خير " وأي البقرتين أعجبتك وليس لنا هنا بقرات معينات يراد تمييز إحداها .
وقوله ( قال إنه يقول إنها بقرة ) أكد مقول موسى ومقول الله تعالى بإن لمحاكاة ما اشتمل عليه كلام موسى من الاهتمام بحكاية قول الله تعالى فأكده بإن وما اشتمل عليه مدلول كلام الله تعالى لموسى من تحقيق إرادته ذلك تنزيلا لهم منزلة المنكرين لما بدا من تعنتهم وتنصلهم ويجوز أن يكون التأكيد الذي في كلام موسى لتنزيلهم منزلة أن يكون الله قال لموسى ذلك جريا على اتهامهم السابق في قولهم ( أتتخذنا هزؤا ) جوابا عن قوله ( إن الله يأمركم ) .
ووقع قوله ( لا فارض ولا بكر ) موقع الصفة لبقرة وأفحم فيه حرف ( لا ) لكون الصفة بنفي وصف ثم بنفي آخر على معنى إثبات وصف واسطة بين الوصفين المنفيين فلما جيء بحرف لا أجرى الإعراب على ما بعده لأن لا غير عاملة شيئا فيعتبر ما قبل لا على عمله فيما بعدها سواء كان وصفا كما هنا وقوله تعالى ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) وقول جويرية أو حويرثة بن بدر الرامي : .
وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل أو حالا كقول الشاعر وهو من شواهد النحو : .
قهرت العدا لا مستعينا بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع والمكر أو مضافا كقول النابغة : .
وشيمة لا وان ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد أو خبر مبتدأ كما وقع في حديث أم زرع قول الأولى " لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل " على رواية الرفع أي هو أي الزوج لا سهل ولا سمين . وجمهور النحاة أن لا هذه يجب تكريرها في الخبر والنعت والحال أي بأن يكون الخبر ونحوه شيئين فأكثر فإن لم يكن كذلك لم يجز إدخال ( لا ) في الخبر ونحوه وجعلوا بيت جويرية أو حويرثة ضرورة وخالف فيه المبرد . وليست ( لا ) في مثل هذا بعامله عمل ليس ولا عمل إن وذكر النحاة لهذا الاستعمال في أحد هذين البابين لمجرد المناسبة . واعلم أن نفي وصفين بحرف ( لا ) قد يستعمل في إفادة إثبات وصف ثالث هو وسط بين حالي ذينك الوصفين مثل ما في هذه الآية بدليل قوله ( عوان بين ذلك ) ومثل قوله تعالى ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) وقد يستعمل في إرادة مجرد نفي ذينك الوصفين لأنهما مما يطلب في الغرض الواردين فيه ولا يقصد إثبات وصف آخر وسط بينهما وهو الغالب كقوله تعالى ( في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم )
