والفارض المسنة لأنها فرضت سنها أي قطعتها . والفرض القطع ويقال للقديم فارض . والبكر الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار لأن البكر في أول السنوات عمرها والعوان هي المتوسطة السن .
A E وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلا للشدة في قول النابغة : .
ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر أي مصيبة عوان أي عظيمة . ووصفوا الحرب الشديدة فقالوا حرب عوان .
وقوله ( بين ذلك ) أي هذين السنين فالإشارة للمذكور المتعدد .
ولهذا صحت إضافة بين لاسم الإشارة كما تضاف للضمير الدال على متعدد وإن كان كلمة واحدة في نحو بينها . وإفراد اسم الإشارة على التأويل بالمذكور كما تقدم قريبا عند قوله تعالى ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ) .
وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عنوان تعريضا بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالا لإعادة السؤال .
فإن قلت هم سألوا عن صفة غير معينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن ومن أين علم من سؤالهم الآتي بما هي أيضا أنهم سألوا عن تدربها على الخدمة .
قلت يحتمل أن يكون ما هي اختصارا لسؤالهم المشتمل على البيان وهذا الاختصار من إبداع القرآن اكتفاء بما يدل عليه الجواب ويحتمل أن يكون ما حكى في القرآن مرادف سؤالهم فيكون جواب موسى عليه السلام بذلك لعلمه بأن أول ما تتعلق به أغراض الناس في معرفة أحوال الدواب هو السن فهو أهم صفات الدابة ولما سألوه عن اللون ثم سألوا السؤال الثاني المبهم علم أنه لم يبق من الصفات التي تختلف فيها مقاصد الناس من الدواب غير حالة الكرامة أي عدم الخدمة لأن ذلك أمر ضعيف إذ قد تخدم الدابة النفيسة ثم يكرمها من يكتسبها بعد ذلك فتزول آثار الخدمة وشعثها .
وقوله ( فافعلوا ما تؤمرون ) الفاء للفصيحة وموقعها هنا موقع قطع العذر مع الحث على الامتثال كما هي في قول عباس بن الأحنف : .
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا أي فقد حصل ما تعللتم به من طول السفر . والمعنى فبادروا إلى ما أمرتم به وهو ذبح البقرة وما موصولة والعائد محذوف بعد حذف جاره على طريقة التوسع لأنهم يقولون أمرتك الخير فتوسلوا بحذف الجار إلى حذف الضمير .
وفي حث موسى إياهم على المبادرة بذبح البقرة بعد ما كلفوا به من اختيارها عوانا دليل على أنهم مأمورون بذبح بقرة ما غير مراد منها صفة مقيدة لأنه لما أمرهم بالمبادرة بالذبح حينئذ علمنا وعلموا أن ما كلفوا به بعد ذلك من طلب ان تكون صفراء وأن تكون سالمة من آثار الخدمة مما أراده الله تعالى عند تكليفهم أول الأمر وهو الحق إذ كيف تكون تلك الأوصاف مزادة مع أنها أوصاف طردية لا أثر لها في حكمة الأمر بالذبح لأنه سواء كان أمرا بذبحها للصدقة أو للقربان أو للرش على النجس أو للقسامة فليس لشيء من هاته الصفات مناسبة للحكم وبذلك يعلم أن أمرهم بهاته الصفات كلها هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على سؤالهم فإن كان سؤالهم للمطل والتنصل فطلب تلك الصفات المشقة عليهم تأديب على سوء الخلق والتذرع للعصيان وإن كان سؤالا ناشئا عن ظنهم أن الاهتمام بهاته البقرة يقتضي أن يراد منها صفات نادرة كما هو ظاهر قولهم بعد ( وإنا إن شاء الله لمهتدون ) فتكليفهم بهاته الصفات العسير وجودها مجتمعة تأديب علمي على سوء فهمهم في التشريع كما يؤدب طالب العلم إذا سأل سؤالا لا يليق برتبته في العلم . وقد قال عمر لأبي عبيدة في واقعة الفرار من الطاعون " لو غيرك قالها يا أبا عبيدة " . ومن ضروب التأديب الحمل على عمل شاق وقد أدب رسول الله A عمه عباسا Bه على الخرص حين حمل من خمس مال المغنم أكثر من حاجته فلم يستطع أن يقله فقال له مر أحدا رفعه لي فقال لا آمر أحدا فقال له أرفعه أنت لي فقال لا حتى جعل العباس يحثو من المال ويرجعه لصبرته إلى أن استطاع أن يحمل ما بقي فذهب والنبي A يتبعه بصره تعجبا من حرصه كما في صحيح البخاري