ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوء تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملا وشكرا وفهما بدليل قوله تعالى آخر الآيات ( وما كادوا يفعلون ) مع ما روى عن ابن عباس أنه قال " لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم .
A E وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين وتسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء .
( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين [ 68 ] ) سألوا بما عن ماهية اللون وجنسه لأنه ثاني شيء تتعلق به أغراض الراغبين في الحيوان . والقول في جزم ( يبين ) وفي تأكيد ( إنه يقول إنها بقرة ) كالقول في الذي تقدم . وقوله ( صفراء فاقع لونها ) احتيج إلى تأكيد الصفرة بالفقوع وهو شدة الصفرة لأن صفرة البقر تقرب من الحمرة غالبا فأكده بفاقع والفقوع خاص بالصفرة كما اختص الأحمر بقان والأسود بحالك والأبيض بيقق والأخضر بمدهام والأورق بخطباني " نسبة إلى الخطبان بضم الخاء وهو نبت كالهليون " والأرمك وهو الذي لونه لون الرماد برداني " براء في أوله " والردان الزعفران كذا في الطيبي " ووقع في الكشاف والطيبي بألف بعد الدال ووقع في القاموس أنه بوزن صاحب " وضبط الراء في نسخة من الكشاف ونسخة من حاشية القطب عليه ونسخة من حاشية الهمداني عليه بشكل ضمة على الراء وهو مخالف لما في القاموس .
والنصوع يعم جميع الألوان وهو خلوص اللون من أن يخالطه لون آخر .
و ( لونها ) إما فاعل ب ( فاقع ) أو مبتدأ مؤخر وإضافته لضمير البقرة دلت على أنه اللون الأصفر فكان وصفه بفاقع وصفا حقيقيا ولكن عدل عن أن يقال صفراء فاقعة إلى صفراء فاقع ( لونها ) ليحصل وصفها بالفقوع مرتين إذ وصف اللون بالفقوع ثم لما كان اللون مضافا لضمير الصفراء كان ما يجري عليه من الأوصاف جاريا على سببيه " على نحو ما قاله صاحب المفتاح في كون المسند فعلا من أن الفعل يستند إلى الضمير ابتداء ثم بواسطة عود ذلك الضمير إلى المبتدأ يستند إلى المبتدأ في الدرجة الثانية " وقد ظن الطيبي في شرح الكشاف أن كلام صاحب الكشاف مشير إلى أن إسناد فاقع للونها مجاز عقلي وهو وهم إذ ليس من المجاز العقلي في شيء . وأما تمثيل صاحب الكشاف بقوله جد جده فهو تنظير في مجرد إفادة التأكيد .
وقوله ( تسر الناظرين ) أي تدخل رؤيتها عليهم مسرة في نفوسهم . والمسرة لذة نفسية تنشأ عن الإحساس بالملائم أو عن اعتقاد حصوله ومما يوجبها التعجب من الشيء والإعجاب به . وهذا اللون من أحسن ألوان البقر فلذلك أسند فعل تسر إلى ضمير البقرة لا إلى ضمير اللون فلا يقتضي أن لون الأصفر مما يسر الناظرين مطلقا . والتعبير بالناظرين دون الناس ونحوه للإشارة إلى أن المسرة تدخل عليهم عند النظر إليها من باب استفادة التعليل من التعليق بالمشتق .
( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون [ 70 ] قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق ) القول في ما هي كالقول في نظيره فإن كان الله تعالى حكى مرادف كلامهم بلغة العرب فالجواب لهم بأنها ( بقرة لا ذلول ) لما علم من أنه لم يبق من الصفات التي تتعلق الأغراض بها إلا الكرامة والنفاسة وإن كان المحكي في القرآن اختصارا لكلامهم فالأمر ظاهر .
على أن الله قد علم مرادهم فأنبأهم به