وسبب اتصال الأمة الرومانية بالأمة اليونانية وتكون أمة الروم من الخليطين هو أن اليونان كان لهم استيلاء على صقلية وبعض بلاد إيطاليا وكانوا بذلك في اتصالات وحروب سجال مع الرومان ربما عظمت واتسعت مملكة الرومان تدريجا بسبب الفتوحات وتسربت سلطتهم إلى إفريقيا وأداني آسيا الصغرى بفتوحات " يوليوس قيصر " لمصر وشمال أفريقيا وبلاد اليونان وبتوالي الفتوحات للقياصرة من بعده فصارت تبلغ من رومة إلى أرمينيا والعراق . ودخلت فيها بلاد اليونان ومدائن رودس وساقس وكاريا والصقابلة الذين على نهر الطونة ولحق بها البيزنطينيون المنسبون إلى مدينة بيزنطة الواقعة في موقع استانبول على البسفور . وهم أصناف من اليونان والإسبرطيين . وكانوا أهل تجارة عظيمة في أوائل القرن الرابع قبل المسيح ثم ألفوا اتحادا بينهم وبين أهل رودس وساقس وكانت بيزنطة من جملة مملكة إسكندر المقدوني . وبعد موته واقتسام قواده المملكة من بعده صارت بيزنطة دولة مستقلة وانضوت تحت سلطة رومة فحكمها قياصرة الرومان إلى أن صار قسطنطين قيصرا لرومة وانفرد بالسلطة في حدود سنة 322 مسيحية وجمع شتات المملكة فجعل للملكة عاصمتين عاصمة غربية هي " رومة " وعاصمة شرقية اختطها مدينة عظيمة على بقايا مدينة " بيزنطة " وسماها " قسطنطينية " وانصرفت همته إلى سكناها فنالت شهرة تفوق " رومة " . وبعد موته سنة 337 قسمت المملكة بين أولاده وكان القسم الشرقي الذي هو بلاد الروم وعاصمته القسطنطينية لابنه " قسطنطينيوس " فمنذ ذلك الحين صارت مملكة القسطنطينية هي مملكة الروم وبقيت مملكة " رومة " مملكة الرومان . وزاد انفصال المملكتين في سنة 395 حين قسم " طيودسيوس " بلدان السلطنة الرومانية بين ولديه فجعلها قسمين مملكة شرقية ومملكة غربية فاشتهرت المملكة الشرقية باسم بلاد الروم وعاصمتها " القسطنطينية " . ويعرف الروم عند الإفرنج بالبيزنطينيين نسبة إلى " بيزنطة " اسم مدينة يونانية قديمة واقعة على شاطئ البوسفور الذي هو قسم من موقع المدينة التي حدثت بعدها كما تقدم آنفا . وقد صارت ذات تجارة عظيمة في القرن الخامس قبل المسيح وسمي ميناها بالقرن الذهبي . وفي أواخر القرن الرابع قبل المسيح خلعت طاعة أثينا . وفي أواسط القرن الرابع بعد المسيح جعل قسطنطين سلطان مدينة القسطنطينية .
A E وهذا الغلب الذي ذكر في هذه الآية هو انهزام الروم في الحرب التي جرت بينهم وبين الفرس سنة 615 مسيحية . وذلك أن " خسرو " ابن " هرمز " ملك الفرس غزا الروم في بلاد الشام وفلسطين وهي من البلاد الواقعة تحت حكم " هرقل " قيصر الروم فنازل إنطاكية ثم دمشق وكانت الهزيمة العظيمة على الروم في أطراف بلاد الشام المحادة بلاد العرب بين بصرى وأذرعات . وذلك هو المراد في هذه الآية ( بأدنى الأرض ) أي أدنى بلاد الروم إلى بلاد العرب .
فالتعريف في ( الأرض ) للعهد أي أرض الروم المتحدث عنهم أو اللام عوض عن المضاف إليه أي في أدنى أرضهم أو أدنى أرض الله . وحذف متعلق ( أدنى ) لظهور أن تقديره : من أرضكم أي أقرب بلاد الروم من أرض العرب فإن بلاد الشام تابعة يومئذ للروم وهي أقرب مملكة الروم من بلاد العرب .
وكانت هذه الهزيمة هزيمة كبرى للروم .
وقوله ( وهم من يعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) إخبار بوعد معطوف على الإخبار الذي قبله . وضمائر الجمع عائدة إلى الروم .
و ( غلبهم ) مصدر مضاف إلى مفعوله . وحذف مفعول ( سيغلبون ) للعلم بأن تقديره : سيغلبون الذين غلبوهم أي الفرس إذ لا يتوهم أن المراد سيغلبون قوما آخرين لأن غلبهم على قوم آخرين وإن كان يرفع من شأنهم ويدفع عنهم معرة غلب الفرس إياهم لكن القصة تبين المراد ولأن تمام المنة على المسلمين بأن يغلب الروم الفرس الذين ابتهج المشركون بغلبهم وشمتوا لأجله بالمسلمين كما تقدم .
وفائدة ذكر ( من بعد غلبهم ) التنبيه على عظم تلك الهزيمة عليهم وأنها بحيث لا يظن نصر لهم بعدها فابتهج بذلك المشركون ؛ فالوعد بأنهم سيغلبون بعد ذلك الانهزام في أمد غير طويل تحد تحدى به ا لقرآن المشركين ودليل على أن الله قدر لهم الغلب على الفرس تقديرا خارقا للعادة معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم وكرامة للمسلمين