وقد جرت عادة فقهائنا أن يحتجوا بهذه الآية على مشروعية اعتبار قول المقتول دمي عند فلان موجبا للقسامة ويجعلون الاحتجاج بها لذلك متفرعا على الاحتجاج بشرع من قبلنا وفي ذلك تنبيه على أن محل الاستدلال بهذه الآية على مشروعية ذلك هو أن إحياء الميت لم يقصد منه إلا سماع قوله فدل على أن قول المقتول كان معتبرا في أمر الدماء . والتوراة قد أجملت أمر الدماء إجمالا شديدا في قصة ذبح البقرة التي قدمناها نعم إن الآية لا تدل على وقوع القسامة مع قول المقتول ولكنها تدل على اعتبار قول المقتول سببا من أسباب القصاص ولما كان الظن بتلك الشريعة أن لا يقتل أحد بمجرد الدعوى من المطعون تعين أن هنالك شيئا تقوى به الدعوى وهو القسامة وقد أورد على احتجاج المالكية بها أن هذا من خوارق العادات وهي لا تفيد أحكاما وأجاب ابن العربي بأن المعجزة في إحياء الميت فلما حيى صار كلامه ككلام سائر الأحياء وهو جواب لطيف لكنه غير قاطع والخلاف في القضاء بالقسامة إثباتا ونفيا وفي مقدار القضاء بها مبسوط في كتب الفقه وقد تقصاه القرطبي وليس من أغراض الآية .
( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون [ 74 ] ) ثم هنا للترتيب الرتبي الذي تتهيأ له إذا عطفت الجمل أي ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم ولم تنفعكم الآيات ( فقست قلوبكم ) وكان من البعيد قسوتها . وقوله ( من بعد ذلك ) زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك على حد قول الفطامي : .
أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا أي كيف أكفر نعمتك أي لا أكفرها مع إنجائك لي من الموت ألخ . ووجه استعمال بعد في هذا المعنى أنها مجاز في معنى " مع " لأن شأن المسبب أن يتأخر عن السبب ولما لم يكن المقصد التنبيه على تأخره للعلم بذلك وأريد التنبيه على أنه معه إثباتا أو نفيا عبر ببعد عن معنى " مع " مع الإشارة إلى التأخر الرتبي .
والقسوة والقساوة توصف بها الأجسام وتوصف بها النفوس المعبر عنها بالقلوب فالمعنى الجامع للوصفين هو عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة إلى حالة تخالفها . وسواء كانت القساوة موضوعة للقدر المشترك بين هذين المعنيين الحسي والقلبي وهو احتمال ضعيف أم كانت موضوعة للأجسام حقيقة واستعملت في القلوب مجازا وهو الصحيح فقد شاع هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة وصار غير محتاج إلى القرينة فآل اللفظ إلى الدلالة على القدر المشترك بالاستعمال لا بأصل الوضع وقد دل على ذلك العطف في قوله ( أو أشد قسوة ) كما سيأتي .
وقوله ( فهي كالحجارة ) تشبيه فرع بالفاء لإرادة ظهور التشبيه بعد حكاية الحالة المعبر عنها بقست لأن القسوة هي وجه الشبه ولأن أشهر الأشياء في هذا الوصف هو الحجز فإذا ذكرت القسوة فقد تهيأ التشبيه بالحجر ولذا عطف بالفاء أي إذا علمت أنها قاسية فشبهها بالحجارة كقول النابغة يصف الحجيج : .
عليهن شعث عامدون لربهم ... فهن كأطراف الحني خواشع وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها . وهذا الأسلوب يسمى عندي تهيئة التشبيه وهو من محاسنه وإذا تتبعت أساليب التشبيه في كلامهم تجدها على ضربين ضرب لا يهيأ فيه التشبيه وهو الغالب وضرب يهيأ فيه كما هنا والعطف بالفاء في مثله حسن جدا وأما أن يأتي المتكلم بما لا يناسب التشبيه فذلك عندي يعد مذموما وقد رأيت بيتا جمع تهيئة التشبيه والبعد عنه وهو قول ابن نباتة : .
في الريق سكر وفي الأصداغ تجعيد ... هذا المدام وهاتيك العناقيد فإنه لما ذكر السكر تهيأ التشبيه بالخمر ولكن قوله تجعيد لا يناسب العناقيد فإن قلت لم عددته مذموما وما هو إلا كتجريد الاستعارة .
قلت لا لأن التجريد يجيء بعد تكرر الاستعارة وعلم بها فيكون تفننا لطيفا بخلاف ما يجيء قبل العلم بالتشبيه
