وقوله ( أو أشد قسوة ) مرفوع على أنه خبر مبتدأ دل عليه قوله ( فهي كالحجارة ) وأو بمعنى بل الانتقالية لتوفر شرطها وهو كون معطوفها جملة .
A E وهذا المعنى متولد من معنى التخيير الموضوعة له أو لأن الانتقال ينشأ عن التخيير فإن القلوب بعد أن شبهت بالحجارة وكان الشأن أن يكون المشبه أضعف في الوصف من المشبه به يبنى على ذلك ابتداء التشبيه بما هو أشهر ثم عقب التشبيه بالترقي إلى التفضيل في وجه الشبه على حد قول ذي الرمة : .
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح فليست أو للتخيير في التشبيه أي ليست عاطفة على قوله الحجارة المجرورة بالكاف لأن تلك لها موقع ما إذا كرر المشبه به كما قدمناه عند قوله تعالى ( أو كصيب من السماء ) . ويجوز أن تكون للتخيير في الأخبار عطفا على الخبر الذي هو كالحجارة أي فهي مثل الحجارة أو هي أقوى من الحجارة والمقصود من التخيير أن المتكلم يشير إلى أنه لا يرمي بكلامه جزافا ولا يذمهم تحاملا بل هو متثبت متحر في شأنهم فلا يثبت لهم إلا ما تبين له بالاستقراء والتقصي فإنه ساواهم بالحجارة في وصف ثم تقصى فرأى أنهم فيه أقوى فكأنه يقول للمخاطب إن شئت فسوههم بالحجارة في القسوة ولك أن تقول هم أشد منها وذلك يفيد مفاد الانتقال الذي تدل عليه بل وهو إنما يحسن في مقام الذم لأن فيه تلطفا وأما في مقام المدح فالأحسن هو التعبير ببل كقول الفرزدق : .
فقالت لنا أهلا وسهلا وزودت ... جني النحل بل ما زودت منه أطيب ووجه تفضيل تلك القلوب على الحجارة في القساوة أن القساوة التي اتصفت بها القلوب مع كونها نوعا مغايرا لنوع قساوة الحجارة قد اشتركا في جنس القساوة الراجعة إلى معنى عدم قبول التحول كما تقدم فهذه القلوب قساوتها عند التمحيص أشد من قساوة الحجارة لأن الحجارة قد يعتريها التحول عن صلابتها وشدتها بالتفرق والتشقق وهذه القلوب لم تجد فيها محاولة .
وقوله ( وإن من الحجارة لما يتفجر ) إلخ تعليل لوجه التفضيل إذ من شأنه أن يستغرب وموقع هذه الواو الأولى في قوله ( وإن من الحجارة ) عسير فقيل هي للحال من الحجارة المقدرة بعد أشد أي أشد من الحجارة قسوة أي تفضيل القلوب على الحجارة في القسوة يظهر في هذه الأحوال التي وصفت بها الحجارة ومعنى التقييد أن التفضيل أظهر في هذه الأحوال وقيل هي الواو للعطف على قوله ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) قاله التفتزاني وكأنه يجعل مضمون هذه المعطوفات غير راجع إلى معنى تشبيه القلوب بالحجارة في القساوة بل يجعلها إخبارا عن مزايا فضلت بها الحجارة على قلوب هؤلاء بما يحصل عن هذه الحجارة من منافع في حين تعطل قلوب هؤلاء من صدور النفع بها وقيل الواو استئنافية وهو تذييل للجملة السابقة وفيه بعد كما صرح به ابن عرفة والظاهر أنها الواو الاعتراضية وأن جملة وإن من الحجارة وما عطف عليها معترضات بين قوله ( ثم قست قلوبكم ) وبين جملة الحال منها وهي قوله ( وما الله بغافل عما تعملون ) .
والتوكيد بإن للاهتمام بالخبر وهذا الاهتمام يؤذن بالتعليل ووجود حرف العطف قبلها لا يناكد ذلك كما تقدم عند قوله تعالى ( فإن لكم ما سألتم ) .
ومن بديع التخلص تأخر قوله تعالى ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) والتعبير عن التسخر لأمر التكوين بالخشية ليتم ظهور تفضيل الحجارة على قلوبهم في أحوالها التي نهايتها الامتثال للأمر التكويني مع تعاصي قلوبهم عن الامتثال للأمر التكليفي ليتأتى الانتقال إلى قوله ( وما الله بغافل عما تعملون ) وقوله ( أفتطعمون أن يؤمنوا لكم ) .
A E