فأما موقعه من الإعراب فإنه إذا لم يضف أعرب إعراب الأسماء المبتدإ بها وأخبر عنه بلام الجر كما في هذه الآية وقوله ( ويل للمطففين ) قال الجوهري وينصبوا فيقال ويلا لزيد وجعل سيبويه ذلك قبيحا وأوجب إذا ابتدئ به أن يكون مرفوعا وأما إذا أضيف فإنه يضاف إلى الضمير غالبا كقوله تعالى ( ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ) وقوله ( ويلك آمن ) فيكون منصوبا وقد يضاف إلى الاسم الظاهر فيعرب إعراب غير المضاف كقول النبي A لأبي بصير " ويل أمه مسعر حرب " .
ولما أشبه في إعرابه المصادر الآتية بدلا من أفعالها نصبا ورفعا مثل : حمدا لله وصبر جميل كما تقدم عند قوله تعالى ( الحمد لله ) قال أكثر أئمة العربية إنه مصدر أميت فعله ومنهم من زعم أنه اسم وجعل نصبه في حالة الإضافة نصبا على النداء بحذف حرف النداء لكثرة الاستعمال فأصل ويله يا ويله بدليل ظهور حرف النداء معه في كلامهم . وربما جعلوه كالمندوب فقالوا ويلاه وقد أعربه الزجاج كذلك في سورة طه . ومنهم من زعم أنهم إذا نصب فعلى تقدير فعل قال الزجاج في قوله تعالى ( ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ) في طه يجوز أن يكون التقدير ألزمكم الله ويلا . وقال الفراء إن ويل كلمة مركبة من وى بمعنى الحزن ومن مجرور باللام المكسورة فلما كثر استعمال اللام مع وى صيروهما حرفا واحدا فاختاروا فتح اللام كما قالوا يال ضبة ففتحوا اللام وهي في الأصل مكسورة . وهو يستعمل دعاء وتعجبا وزجرا مثل قولهم : لا أبلك وثكلتك أمك . ومعنى ( فويل للذين يكتبون الكتاب ) دعاء مستعمل في إنشاء الغضب والزجر قال سيبويه : لا ينبغي أن يقال ويل للمطففين دعاء لأنه قبيح في اللفظ ولكن العباد كلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم على مقدار فهمهم أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم . وقد جاء على مثال ويل ألفاظ وهي ويح وويس وويب وويه وويك .
وذكر ( بأيديهم ) تأكيد مثل نظرته بعيني ومثل ( يقولون بأفواههم ) وقوله ( ولا طائر يطير بجناحيه ) . والقصد منه تحقيق وقوع الكتابة ورفع المجاز عنها وأنهم في ذلك عامدون قاصدون . وقوله ( ليشتروا به ثمنا قليلا ) هو كقوله ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) والثمن المقصود هنا هو إرضاء العامة بأن غيروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون فوضعوا كتابا تافهة من القصص المعلومات البسيطة ليتفيقهوا بها في المجامع لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح وكانوا قد طمعوا في التصدر والرئاسة الكاذبة لفقوا نتفا سطحية وجمعوا موضوعات وفراغات لا تثبت على محك العلم الصحيح ثم أشاعوها ونسبوها إلى الله ودينه وهذه شنشنة الجهلة المتطلعين إلى الرئاسة من غير أهلية ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار العامة ومن لا يميز بين الشحم والورم .
وقوله ( فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) تفصيل لجنس الويل إلى ويلين وهما ما يحصل لهم من الشر لأجل ما وضعوه وما يحصل لهم لأجل ما اكتسبوه من جراء ذلك فهو جزاء بالشر على الوسيلة وعلى المقصد وليس في الآية ثلاث ويلات كما قد توهم ذلك .
A E
