وجعل الإحسان لسائر الناس بالقول لأنه القدر الذي يمكن معاملة جميع الناس به وذلك أن أصل القول أن يكون عن اعتقاد فهم إذا قالوا للناس حسنا فقد أضمروا لهم خيرا وذلك أصل حسن المعاملة مع الخلق قال النبيء A : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . وقد علمنا الله تعالى ذلك بقوله ( ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) على أنه إذا عرض ما يوجب تكدر الخاطر فإن القول الحسن يزيل ما في نفس القائل من الكدر ويرى للمقول له الصفاء فلا يعامله إلا بالصفاء قال المعري : .
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر على أن الله أمر بالإحسان الفعلي حيث يتعين ويدخل تحت قدرة المأمور وذلك الإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وإيتاء الزكاة وأمر بالإحسان القولي إذا تعذر الفعلي على حد قول أبي الطيب : " فليسعد النطق إن لم تسعد الحال " وقوله ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أطلقت الزكاة على الصدقة مطلقا أو على الصدقة الواجبة على الأموال وليس المراد الكناية عن شريعة الإسلام لما علمت من أن هاته المعاطيف تابعة لبيان الميثاق وهو عهد موسى عليه السلام .
وقوله ( ثم توليتم إلا قليلا منكم ) خطاب للحاضرين وليس بالتفات كما علمت آنفا . والمعنى أخذنا ميثاق الأمة الإسرائيلية على التوحيد وأصول الإحسان فكنتم ممن تولى عن ذلك وعصيتم شرعا اتبعتموه . والتولي الإعراض وإبطال ما التزموه وحذف متعلقه لدلالة ما تقدم عليه أي توليتم عن جميع ما أخذ عليكم الميثاق به أي أشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم الصلاة ومنعتم الزكاة . ويجوز أن يكون المراد بالخطاب في توليتم المخاطبين زمن نزول الآية وبعض من تقدمهم من متوسط عصور الإسرائيلين فيكون ضمير الخطاب تغليبا نكتته إطهار براءة الذين أخذ عليهم العهد أولا من نكثه وهو من الإخبار بالجمع والمراد التوزيع أي توليتم فمنكم من لم يحسن للوالدين وذي القربى إلخ وهذا من صفات اليهود في عصر نزول الآية كما سيأتي في تفسير الآية التي بعدها . ومنكم من أشرك بالله وهذا لم ينقل عن يهود زمن النزول وإنما هو من صفات من تقدمهم من بعد سليمان فقد كانت من ملوك إسرائيل عبدة أصنام وتكرر ذلك فيهم مرارا كما هو مسطور في سفرى الملوك الأول والثاني من التوراة . وثم للترتيبين الترتبي والخارجي .
وقوله ( إلا قليلا منكم ) إنصاف لهم في توبيخهم ومذمتهم وإعلان بفضل من حافظ على العهد .
وقوله ( وأنتم معرضون ) جملة حالية ولكونها اسمية أفادت أن الأعراض وصف ثابت لهم وعادة معروفة منهم كما أشار إليه في الكشاف وهو مبني على اعتبار اسم الفاعل مشتقا من فعل منزل اللازم ولا يقدر له متعلق ويجوز أن يقدر مشتقا من فعل حذف متعلقه تعويلا على القرينة أي ( وأنتم معرضون ) عن الوصايا التي تضمنت ذلك الميثاق أي توليتم عن تعمد وجرأة وقلة اكتراث بالوصايا وتركا للتدبر فيها والعمل بها .
( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون [ 84 ] ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) تفنن الخطاب هنا فجاء على نسق ما قبل الآية السابقة إذ عبر عنها عن جميع بني إسرائيل بضمير الخطاب على طريق التغليب لأن المخاطبين حين نزول القراءات هم المقصودون من هذه الموعظة أو على طريق تنزيل الخلف منزلة السلف كما تقدم لأن الداعي للإظهار عند الانتقال من الاستطراد إلى بقية المقصود في الآية السابقة قد أخذ ما يقتضيه فعاد أسلوب الخطاب إلى ما كان عليه .
A E