والقول في ( لا تسفكون ) كالقول في ( لا تعبدون إلا الله ) والسفك الصب وإضافة الدماء إلى ضمير فاعل تسفكون اقتضت أن مفعول تسفكون هو دماء السافكين وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه . وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) أي فليسلم بعضكم على بعض . فوجه إضافة الدماء إلى ضمير السافكين أن هذه الأحكام المتعلقة بالأمة أو القبيلة يكون مدلول الضمائر فيها مجموع الناس فإذا تعلقت أحكام بتلك الضمائر من إسناد أو مفعولية أو إضافة أرجع كل إلى ما يناسبه على طريقة التوزيع وهذا كثير في استعمال القرآن ونكتته الإشارة إلى أن المغايرة في حقوق أفراد الأمة مغايرة صورية وأنها راجعة إلى شيء واحد وهو المصلحة الجامعة أو المفسدة الجامعة ومثله قوله تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ومن هذا القبيل قول الحماسي الحارث بن وعلة الذهلي : .
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت بصيبني سهمي .
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي يريد أن سهمه إذا أصاب قومه فقد أضر بنفسه وإلى هذا الوجه أشار ابن عطية وسماء اللف في القول . أي الإجمال المراد به التوزيع وذهب صاحب الكشاف إلى أنه من تشبيه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين فإذا قتل المتصل به نسبا أو دينا فكأنما قتل نفسه وهو قريب من الأول ومبناه على المجاز في الضمير المضاف إليه في قوله ( دماءكم ) و ( أنفسكم ) . وقيل إن المعنى لا تسفكون دماءكم بالتسبب في قتل الغير فيقتص منكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم بالجناية على الغير فتنفوا من دياركم وهذا مبني على المجاز التبعي في تسفكون وتخرجون بعلاقة التسبب .
وأشارت هذه الآية إلى وصيتين من الوصايا الإلهية الواقعة في العهد المعروف بالكلمات العشر المنزلة على موسى عليه السلام من قوله " لا تقتل لا تشته بيت قريبك " فإن النهي عن شهوة بيت القريب لقصد سد ذريعة السعي في اغتصابه منه بفحوى الخطاب .
وعليه فإضافة ميثاق إلى ضمير المخاطبين مراعى فيها أنهم لما كانوا متدينين بشريعة التوراة فقد التزموا بجميع ما تحتوي عليه .
وقوله ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) مرتب ترتيبا رتبيا أي أخذ عليكم العهد وأقررتموه أي عملتم به وشهدتم عليه فالضميران في ( أقررتم وأنتم تشهدون ) راجعان لما رجع له ضمير ميثاقكم وما بعده لتكون الضمائر على سنن واحد في النظم وجملة ( وأنتم تشهدون ) حالية أي لا تنكرون إقراركم بذلك إذ قد تقلدتموه والتزمتم التدين به .
والعطف بثم في قوله ( ثم انتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) للترتيب الرتبي أي وقع ذلك كله وأنتم هؤلاء تقتلون والخطاب لليهود الحاضرين في وقت نزول القرآن بقرينة قوله ( هؤلاء ) لأن الإشارة لا تكون إلى غائب وذلك نحو قولهم ها أنا ذا وها أنتم أولاء فليست زيادة اسم الإشارة إلا لتعيين مفاد الضمير وهذا استعمال عربي يختص غالبا بمقام التعجب من حال المخاطب وذلك لأن أصل الإخبار أن يكون بين المخبر والمخبر عنه تخالف في المفهوم واتحاد في الصدق في الخارج وهو المعروف عند المناطقة بحمل الاشتقاق نحو أنت صادق . ولذلك لزم اختلاف المسند والمسند إليه بالجمود والاشتقاق غالبا أو الاتحاد في الاشتقاق ولا تجدهما جامدين إلا بتأويل .
ثم إن العرب قد تقصد من الإخبار معنى مصادفة المتكلم الشيء عين شيء يبحث عنه في نفسه نحو ( أنت أبا جهل ) قاله له ابن مسعود يوم بدر إذ وجده مثخنا بالجراح صريعا ومصادفة المخاطب ذلك في اعتقاد المتكلم نحو ( قال أنا يوسف وهذا أخي ) فإذا أرادوا ذلك توسعوا في طريقة الإخبار فمن أجل ذلك صح أن يقال ( أنا ذلك ) إذا كانت الإشارة إلى متقرر في ذهن السامع وهو لا يعلم أنه عين المسند إليه كقول خفاف بن ندبة : تأمل خفافا إنني أنا ذلكا وقول طريف العنبري : فتوسموني إنني أنا ذالكم وأوسع منه عندهم نحو قول أبي النجم : أنا أبو النجم وشعري شعري ثم إذا أرادوا العناية بتحقيق هذا الاتحاد جاءوا " بها التنبيه " فقالوا ها أنا ذا يقوله المتكلم لمن قد يشك أنه هو نحو قول الشاعر :