إن الفتى من يقول ها أنا ذا A E فإذا كان السبب صحح الأخبار معلوما اقتصر المتكلم على ذلك وإلا أتبع مثل ذلك التركيب بجملة تدل على الحال التي اقتضت ذلك الإخبار ولهم في ذلك مراتب : الأولى ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون ) الثانية ( ها أنتم أولاء تحبونهم ) . ومنه " ها أنا ذا لديكما " قاله أمية بن أبي الصلت . الثالثة ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا . ويستفاد معنى التعجب في أكثر مواقعه من القرينة كما تقول لمن وجدته حاضرا وكنت لا تترقب حضوره ها أنت ذا أو من الجملة المذكورة بعده إذا كان مفادها عجيبا كما رأيت في الأمثلة .
والأظهر أن يكون الضمير واسم الإشارة مبتدأ وخبرا والجملة بعدهما حالا وقيل هي مستأنفة لبيان منشأ التعجب وقيل الجملة هي الخبر واسم الإشارة منادى معترض ومنعه سيبويه وقيل اسم الإشارة منصوب على الاختصاص وهذا ضعيف . وعلى الخلاف في موقع الجملة اختلف فيما لو أتى بعدها أنت ذا ونحوه بمفرد فقيل يكون منصوبا على الحال وقيل مرفوعا على الخبر ولم يسمع من العرب إلا مثال أنشده النحاة وهو قوله : أبا حكم ها أنت نجم مجالد ولأجل ذلك جاء ابن مالك في خطبة التسهيل بقوله وها أنا ساع فيما انتدبت إليه وجاء ابن هشام في خطبة المغنى بقوله وها أنا مبيح بما أسررته واختلف النحاة أيضا في أن وقوع الضمير بعد ها التنبيه هل يتعين أن يعقبه اسم الإشارة فقال في التسهيل هو غالب لا لازم وقال ابن هشام هو لازم صرح به في حواشي التسهيل بنقل الدماميني في الحواشي المصرية في الخطبة وفي الهاء المفردة . وقال الرضى إن دخول ها التنبيه في الحقيقة إنما هو على اسم الإشارة على ما هو المعروف في قولهم هذا وإنما يفصل بينها وبين اسم الإشارة بفاصل فمنه الضمير المرفوع المنفصل كما رأيت ومنه القسم نحو قول الشاعر من شواهد الرضى : .
تعلمن ها لعمر الله ذا قسما ... فاقدر بذرعك فانظر أين تنسلك وشذ بغير ذلك نحو قول النابغة : .
ها إن تاعذرة إن لا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد وقوله ( تقتلون ) حال أو خبر وعبر بالمضارع لقصد الدلالة على التجدد وأن ذلك من شأنكم وكذلك قوله ( تخرجون فريقا منكم ) .
وجعل في الكشاف المقصود بالخطابات كلها في هذه الآية مرادا به أسلاف الحاضرين وجعل قوله ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون ) مع إشعاره بمغايرة المشار إليهم للذين وجه إليهم الخطاب مرادا منه مغايرة تنزيلية لتغير صفات المخاطب الواحد وذلك تكلف ساقه إليه محبة جعل الخطابات في هذه الآية موافقة للخطابات التي في الآي قبلها وقد علمت أنه غير لازم وأن المغايرة مقصودة هنا وقد استقامت فلا داعي إلى التكلف .
A E