وقد أشارت هذه الآية إلى ما حدث بين اليهود من التخاذل وإهمال ما أمرتهم به شريعتهم والأظهر أن المقصود يهود قريظة والنضير وقينقاع . وأراد من ذلك بخاصة ما حدث بينهم في حروب بعاث القائمة بين الأوس والخزرج وذلك أنه لما تقاتل الأوس والخزرج اعتزل اليهود الفريقين زمنا طويلا والأوس مغلوبون في سائر أيام القتال فدبر الأوس أن يخرجوا يسعون لمحالفة قريظة والنضير فلما علم الخزرج توعدوا اليهود إن فعلوا ذلك فقالوا لهم إنا لا نحالف الأوس ولا نحالفكم فطلب الخزرج على اليهود رهائن أربعين غلاما من غلمان قريظة والنضير فسلموهم لهم . ثم إن عمرو بن النعمان البياضي الخزرجي أطمع قومه أن يتحولوا لقريظة والنضير لحسن أرضهم ونخلهم وأرسل إلى قريظة والنضير يقول لهم إما أن تخلوا لنا دياركم وإما أن نقتل الرهائن فخشى القوم على رهائنهم واستشاروا كعب ابن أسيد القرظي فقال لهم " يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان فما هي إلا ليلة يصيب أحدكم فيها امرأته حتى يولد له مثل أحدكم " فلما أجابت قريظة والنضير عمرا بأنهم يمنعون ديارهم عدا عمرو على الغلمان فقتلهم فلذلك تحالفت قريظة والنضير مع الأوس فسعى الخزرج في محالفة بني قينقاع من اليهود وبذلك نشأ قتال بين فرق اليهود وكان بينهم يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين فكانت اليهود تتقاتل وتجلى المغلوبين من ديارهم وتأسرهم ثم لما ارتفعت الحرب جمعوا مالا وفدوا به أسرى اليهود الواقعين في أسر أحلاف أحد الفريقين من الأوس أو الخزرج فعيرت العرب اليهود بذلك وقالت كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم فقالوا قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نفدي الأسرى فذلك قوله تعالى ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ) .
( وإن يأتوكم أسرى تفدوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما يعملون [ 85 ] أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون [ 86 ] ) الواو في قوله ( وإن يأتوكم أسارى ) يجوز أن تكون للعطف فهو عطف على قوله ( تقتلون أنفسكم وتخرجون ) فهو من جملة ما وقع التوبيخ عليه مما نكث فيه العهد وهو وإن لم يتقدم في ذكر ما أخذ عليهم العهد ما يدل عليه إلا أنه لما رجع إلى إخراج الناس من ديارهم كان في جملة المنهيات . ولك أن تجعل الواو للحال من قوله ( وتخرجون فريقا ) أي تخرجونهم والحال إن أسرتموهم تفدونهم . وكيفما قدرت فقوله ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) جملة حالية من قوله ( يأتوكم ) إما حال من معطوف وإما حال من حال إذ ليس فداء الأسير بمذموم لذاته ولكن ذمه باعتبار ما قارنه من سبب الفداء فمحل التوبيخ هو مجموع المفاداة مع كون الإخراج محرما وبعد أن قتلوهم وأخرجوهم فجملة ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) حالية من ضمير ( تفادوهم ) . وصدرت بضمير الشأن للاهتمام بها وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليست معطوفة على قوله ( وتخرجون فريقا منكم ) وما بينهما اعتراض لقلة جدواه إذ قد تحقق ذلك بقوله ( ولا تخرجون أنفسكم ) .
وفي قوله ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) تشنيع وتبليد لهم توهموا القربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء ؟ وعندي أن في الآية دلالة على ترجيح قول إمام الحرمين في أن الخارج من المغصوب ليس آتيا بواجب ولا بحرام ولكنه انقطع عنه تكليف النهي وأن القربة لا تكون قربة إلا إذا كانت غير ناشئة عن معصية .
A E
