والأسارى بضم الهمزة جمع أسير حملا له على كسلان كما حملوا كسلان على أسير فقالوا كسلى هذا مذهب سيبويه لأن قياس جمعه أسرى كقتلى . وقيل هو جمع نادر وليس مبنيا على حمل كما قالوا قدامى جمع قديم . وقيل هو جمع جمع فالأسير يجمع على أسرى ثم يجمع أسرى على أسارى وهو أظهر . والأسير فعيل بمعنى مفعول من أسره إذا أوثقه وهو فعل مشتق من الاسم الجامد فإن الإسار هو السير من الجلد الذي يوثق به المسجون والموثوق وكانوا يوثقون المغلوبين في الحرب بسيور من الجلد قال النابغة : .
لم يبق غير طريد غير منفلت ... أو موثق في حبال القد مسلوب وقرأ الجمهور ( أسارى ) وقرأه حمزة ( أسرى ) .
وقرأ نافع والكسائي وعاصم ويعقوب ( تفادوهم ) بصيغة المفاعلة المستعملة في المبالغة في الفداء أي تفدوهم فداء حريصا فاستعمال فادي هنا مسلوب المفاضلة مثل عافاه الله وقول امرئ القيس : .
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وخلف ( تفدوهم ) بفتح الفوقية وإسكان الفاء دون ألف بعد الفاء والمحرم الممنوع ومادة حرم في كلام العرب للمنع والحرام الممنوع منعا شديدا أو الممنوع منعا من قبل الدين ولذلك قالوا الأشهر الحرم وشهر المحرم .
وقوله ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) استفهام إنكاري توبيخي أي كيف تعمدتم مخالفة التوراة في قتال إخوانكم واتبعتموها في فداء أسراهم وسمي الإتباع والإعراض إيمانا وكفرا على طريقة الاستعارة لتشويه المشبه وللإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر به وإنما وقع ( تؤمنون ) في حيز الإنكار تنبيها على أن الجمع بين الأمرين عجيب وهو مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراجهم أو لعلهم جحدوا ذلك وجحد ما هو قطعي من الدين مروق من الدين . والفاء عاطفة على تقتلون أنفسكم وما عطف عليه عطفت الاستفهام أو عطفت مقدرا دل عليه الاستفهام وسيأتي تحقيق ذلك قريبا عند قوله أفكلما جاءكم رسول . والفاء في قوله ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم ) فصيحة عاطفة على محذوف دل عليه الاستفهام الإنكاري أو عاطفة على نفس الاستفهام لما فيه من التوبيخ . وقال عبد الحكيم إن الجملة معترضة والاعتراض بالفاء وهذا بعيد معنى ولفظا أما الأول فلأن الاعتراض في آخر الكلام المعبر عنه بالتذييل لا يكون إلا مفيدا لحاصل ما تقدم وغير مفيد حكما جديدا وأما الثاني فلأن اقتران الجملة المعترضة بحرف غير الواو غير معروف في كلامهم .
والخزي بالكسر ذل في النفس طارئ عليها فجأة لإهانة لحقتها أو معرة صدرت منها أو حيلة وغلبة تمشت عليها وهو اسم لما يحصل من ذلك وفعله من باب سمع بفتح الخاء والمراد بالخزي ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء النضير عن ديارهم وقتل قريظة وفتح خيب وما قدر لهم من الذل بين الأمم .
وقرأ الجمهور ( يردون ) و ( يعملون ) بياء الغيبة وقرأ عاصم في رواية عنه تردون بتاء الخطاب نظرا إلى معنى من وإلى قوله منكم وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب ( يعملون ) بياء الغيبة وقرأه الجمهور بتاء الخطاب .
وقد دلت هذه الآية على أن الله يعاقب الحائدين عن الطريق بعقوبات في الدنيا وعقوبات في الآخرة . وقد وقع اسم الإشارة وهو قوله ( أولئك الذين اشتروا ) موقع نظيره في قوله ( أولئك على هدى من ربهم ) .
والقول في ( اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) كالقول في ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) . والقول في ( فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) قريب من القول في ( ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) . وموقع الفاء في قوله ( فلا يخفف عنهم العذاب ) هو الترتيب لأن المجرم بمثل هذا الجرم العظيم يناسبه العذاب العظيم ولا يجد نصيرا يدفع عنه أو يخفف .
( ولقد أتينا موسى الكتب وقفينا من بعده بالرسل وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدنه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [ 87 ] ) A E