والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم فالسين والتاء في استكبرتم للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى ( إلا إبليس أبى واستكبر ) وقوله ( ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب وقتلوا فريقا وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ) وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل على ذلك كما في قوله تعالى ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) . وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو طائفة إذا وقع معمولا لفعل في مقام التقسيم نحو ( يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) .
والتفصيل راجع إلى ما في قوله ( رسول ) من الإجمال لأن كلما جاءكم رسول أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى وأساءوا الظن به مرارا في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر . وحين أمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعال وحين أمرهم بدخول أريحا وغير ذلك وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزكرياء ويحيى ابنه . وأرمياء .
وجاء في تقتلون بالمضارع عوضا عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم كقوله ( الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ) مع ما في صيغة تقتلون من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم .
( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون [ 88 ] ) إما عطف على قوله ( استكبرتم ) أو على ( كذبتم ) فيكون على الوجه الثاني تفسيرا للاستكبار أي يكون على تقدير عطفه على كذبتم من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم أنواع تكذيب وتقتيل وإعراض . وعلى الوجهين ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور فهو من الالتفات الذي نكتته أن ما أجرى على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراض البال عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية .
وقد حسن الالتفات أنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية وهو غرض جديد فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم وجه الخطاب إليهم . ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي A صار الخطاب جاريا مع المؤمنين وأجرى على اليهود ضمير الغيبة . على أنه يحتمل أن قولهم قلوبنا غلف لم يصرحوا به علنا ويدل لذلك أن أسلوب الخطاب جرى على الغيبة من مبدأ هذه الآية إلى قوله تعالى ( ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل ) . والقلوب مستعملة في معنى الأذهان على طريقة كلام العرب في إطلاق القلب على العقل . والغلف بضم فسكون جمع أغلف وهو الشديد الغلاف مشتق من غلفه إذا جعل له غلافا وهو الوعاء الحافظ للشيء والساتر له من وصول ما يكره له . وهذا كلام كانوا يقولونه للنبي A حين يدعوهم للإسلام قصدوا به التهكم وقطع طمعه في إسلامهم وهو كقول المشركين ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) . وفي الكلام توجيه لأن أصل الأغلف أن يكون محجوبا عمالا يلائمه فإن ذلك معنى الغلاف فهم يخيلون أن قلوبهم مستورة عن الفهم ويريدون أنها محفوظة من فهم الضلالات ولذلك قال المفسرون إنه مؤذن بمعنى أنها لا تعي ما تقول ولو كان لوعته وهذان المعنيان اللذان تضمنهما لتوجيه يلاقيهما الرد بقوله تعالى ( بل لعنهم الله بكفرهم ) أي ليس عدم إيمانهم لقصور في أفهامهم ولا لربوها عن قبول مثل ما دعوا إليه ولكن لأنهم كفروا فلعنهم الله بكفرهم وأبعدهم عن الخير وأسبابه