وبهذا حصل المعنيان المرادان لهم من غير حاجة إلى فرض احتمال أن يكون غلف جمع غلاف لما فيه من التكلف في حذف المضاف إليه حتى يقدر أنها أوعية للعلم والحق فلا يتسرب إليها الباطل .
A E وقوله ( بل لعنهم الله بكفرهم ) تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفات لحجة النبي A فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك الكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية .
وقوله ( فقليلا ما يؤمنون ) تفريع على ( لعنهم ) و ( قليلا ) صفة لمحذوف دل عليه الفعل والتقدير فإيمانا قليلا وما زائدة للمبالغة في التقليل والضمير لمجموع بني إسرائيل ويجوز أن يكون قليلا صفة للزمان الذي يستلزمه الفعل أي فحينا قليلا يؤمنون . وقليل يجوز أن يكون باقيا على حقيقته مشارا به إلى إيمانهم ببعض الكتاب أو إلى إيمانهم ببعض ما يدعو له النبي A مما يوافق دينهم القديم كالتوحيد ونبوة موسى أو إلى إيمان أفراد منهم في بعض الأيام فإن إيمان أفراد قليلة منهم يستلزم صدور إيمان من مجموع بني إسرائيل في أزمنة قليلة أو حصول إيمانات قليلة . ويجوز أن يكون قليلا هنا مستعملا في معنى العدم فإن القلة تستعمل في العدم في كلام العرب قال أبو كبير الهذلي : .
قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك أراد أنه لا يتشكى وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في أرض نصيبين " كثيرة العقارب قليلة الأقارب " أراد عديمة الأقارب ويقولون فلان قليل الحياء وذلك كله إما مجاز لأن القليل شبه بالعدم وإما كناية وهو أظهر لأن الشيء إذا قل آل إلى الاضمحلال فكان الانعدام لازما عرفيا للقلة ادعائيا فتكون ما مصدرية والوجهان أشار إليهما في الكشاف باختصار واقتصر على الوجه الثاني منهما في تفسيره قوله تعالى ( أإله مع الله قليلا ما تذكرون ) في سورة النمل فقال " والمعنى نفي التذكير والقلة تستعمل في معنى النفي " وكأن وجه ذلك أن التذكر من شأنه تحصيل العلم فلو تذكر المشركون المخاطبون بالآية لحصل لهم العلم بأن الله واحد لا شريك له كيف وخطابهم بقوله ( أإله مع الله ) المقصود منه الإنكار بناء على أنهم غير معتقدين ذلك .
( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا . فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ 89 ] )
