وقوله ( مصدقا ) حال مؤكدة لقوله ( وهو الحق ) وهذه الآية علم في التمثيل للحال المؤكدة وعندي أنها حال مؤسسة لأن قوله ( مصدقا لما معهم ) مشعر بوصف زائد على مضمون وهو الحق إذ قد يكون الكتاب حقا ولا يصدق كتابا آخر ولا يكذبه وفي مجيء الخال من الحال زيادة في استحضار شؤونهم وهيئاتهم .
وقوله ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) فصله عما قبله لأنه اعتراض في أثناء ذكر أحوالهم قصد به الرد عليهم في معذرتهم هذه لإظهار أن معاداة الأنبياء دأب لهم وأن قولهم ( نؤمن بما أنزل علينا ) كذب إذ لو كان حقا لما قتل أسلافهم الأنبياء الذين هم من قومهم ودعوهم إلى تأييد التوراة والأمر بالعمل بها ولكنهم يعرضون عن كل ما لا يوافق أهواءهم . وهذا إلزام للحاضرين بما فعله أسلافهم لأنهم يرونهم على حق فيما فعلوا من قتل الأنبياء . والإتيان بالمضارع في قوله ( تقتلون ) مع أن القتل قد مضى لقصد استحضار الحالة الفظيعة وقرينة ذلك قوله ( من قبل ) فذلك كما جاء الحطيئة بالماضي مرادا به الاستقبال في قوله : .
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر بقرينة قوله يوم يلقى ربه .
والمراد بأنبياء الله الذين ذكرناهم عند قوله تعالى ( ويقتلون النبيين بغير الحق ) .
( ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون [ 92 ] وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين [ 93 ] ) A E عطف على قوله ( فلم تقتلون أنبياء الله ) والقصد منه تعليم الانتقال في المجادلة معهم إلى ما يزيد إبطال دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم خاصة وذلك أنه بعد أن أكذبهم في ذلك بقوله ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) كما بينا ترقى إلى ذكر أحوالهم في مقابلتهم دعوة موسى الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما جاءهم به فإنهم مع ذلك قد قابلوا دعوته بالعصيان قولا وفعلا فإذا كانوا أعرضوا عن الدعوة المحمدية بمعذرة أنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم فلماذا قابلوا دعوة أنبيائهم بعد موسى بالقتل ولماذا قابلوا دعوة موسى بما قابلوا . فهذا وجه ذكر هذه الآيات هنا وإن كان قد تقدم نظائرها فيما مضى فإن ذكرها هنا في محاجة أخرى وغرض جديد وقد بينت أن القرآن ليس مثل تأليف في علم يحال فيه على ما تقدم بل هو جامع مواعظ وتذكيرات وقوارع ومجادلات نزلت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة فلذلك تتكرر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذكرها حينئذ عند سبب نزول تلك الآيات . وفي الكشاف أن تكرير حديث رفع الطور هنا لما نيط به من الزيادة على ما في الآية السابقة معنى في قوله ( قالوا سمعنا وعصينا ) الآية وهي نكتة في الدرجة الثانية .
وقال البيضاوي إن تكرير القصة للتنبيه على أن طريقتهم مع محمد A طريقة أسلافهم مع موسى وهي نكتة في الدرجة الأولى وهذا إلزام لهم بعمل أسلافهم بناء على أن الفرع يتبع أصله والولد نسخة من أبيه وهو احتجاج خطابي .
والقول في هاته الآيات كالقول في سابقتها وكذلك القول في البينات . إلا أن قوله ( واسمعوا ) مراد به الامتثال فهو كناية كما تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى الإصغاء إلى التوراة فإن قوله ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) يتضمنه ابتداء لأن المراد من الأخذ بالقوة الاهتمام به وأول الاهتمام بالكلام هو سماعه والظاهر أن قوله ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) لا يشتمل الامتثال فيكون قوله ( واسمعوا ) دالا على معنى جديد وليس تأكيدا ولك أن تجعله تأكيدا لمدلول خذوا ما آتيناكم بقوة بأن يكون الأخذ بقوة شاملا لنية الامتثال وتكون نكتة التأكيد حينئذ هي الإشعار بأنهم مظنة الإهمال والإخلال حتى أكد عليهم ذلك قبل تبين عدم امتثالهم فيما يأتي ففي هذه الآية زيادة بيان لقوله في الآية الأولى ( واذكروا ما فيه )
