واعلم أن من دلائل النبوة والمعجزات العلمية إشارات القرآن إلى العبارات التي نطق بها موسى في بني إسرائيل وكتبت في التوراة فإن الأمر بالسماع تكرر في مواضع مخاطبات موسى لملأ بني إسرائيل بقوله ( اسمع يا إسرائيل ) فهذا من نكت اختيار هذا اللفظ للدلالة على الامتثال دون غيره مما هو أوضح منه وهذا مثل ما ذكرنا في التعبير بالعهد .
وقوله ( قالوا سمعنا وعصينا ) يحتمل أنهم قالوه في وقت واحد جوابا لقوله ( واسمعوا ) وإنما أجابوه بأمرين لأن قوله اسمعوا تضمن معنيين معنى صريحا ومعنى كنائيا فأجابوا بامتثال الأمر الصريح وأما الأمر الكنائي فقد رفضوه وذلك يتضمن جواب قوله ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) أيضا لأنه يتضمن ما تضمنه ( واسمعوا ) وفي هذا الوجه بعد ظاهر إذ لم يعهد منهم أنهم شافهوا نبيهم بالعزم على المعصية وقيل إن قوله ( سمعنا ) جواب لقوله ( خذوا ما آتيناكم ) أي سمعنا هذا الكلام . وقوله ( وعصينا ) جواب لقوله ( واسمعوا ) لأنه بمعنى امتثلوا ليكون كل كلام قد أجيب عنه ويبعده أن الإتيان في جوابهم بكلمة سمعنا مشير إلى كونه جوابا لقوله ( اسمعوا ) لأن شأن الجواب أن يشتمل على عبارة الكلام المجاب به وقوله ليكون كل كلام قد أجيب عنه قد علمت أن جعل سمعنا وعصينا جوابا لقوله ( واسمعوا ) يغني عن تطلب جواب لقوله خذوا ففيه إيجاز فالوجه في معنى هذه الآية هو ما نقله الفخر عن أبي مسلم أن قولهم ( عصينا ) كان بلسان الحال يعني فيكون ( قالوا ) مستعملا في حقيقته ومجازه أي قالوا سمعنا وعصوا فكأن لسانهم يقول عصينا . ويحتمل أن قولهم عصينا وقع في زمن متأخر عن وقت نزول التوراة بأن قالوا عصينا في حثهم على بعض الأوامر مثل قولهم لموسى حين قال لهم ادخلوا القرية ( لن ندخلها أبدا ) وهذان الوجهان أقرب من الوجه الأول . وفي هذا بيان لقوله في الآية الأولى ( ثم توليتم من بعد ذلك ) .
A E والإشراب هو جعل الشيء شاربا واستعير لجعل الشيء متصلا بشيء وداخلا فيه ووجه الشبه هو شدة الاتصال والسريان لأن الماء أسرى الأجسام في غيره ولذا يقول الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن فلذلك استعاروا الإشراب لشدة التداخل استعارة تبعية قال بعض الشعراء : .
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير .
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور ومنه قولهم أشرب الثوب الصبغ قال الراغب من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب وبغض أن يستعيروا لذلك اسم الشراب اه . وقد اشتهر المعنى المجازي فهجر استعمال الإشراب بمعنى السقي وذكر القلوب قرينة على أن إشراب العجل على تقدير مضاف من شأن القلب مثل عبادة العجل أو تأليه العجل . وإنما جعل حبهم العجل إشرابا لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أولع بكذا وشغف . والعجل مفعول أشربوا على حذف مضاف مشهور في أمثاله من تعليق الأحكام وإسنادها إلى الذوات مثل ( حرمت عليكم الميتة ) أي أكل لحمها . وإنما شغفوا به استحسانا واعتقادا أنه إلههم وأن فيه نفعهم لأنهم لما رأوه من ذهب قدسوه من فرط حبهم الذهب .
وقد قوى ذلك الإعجاب به بفرط اعتقادهم ألوهيته ولذلك قال تعالى ( بكفرهم ) فإن الاعتقاد يزيد المعتقد توغلا في حب معتقده . وإسناد الإشراب إلى ضمير ذواتهم ثم توضيحه بقوله ( في قلوبهم ) مبالغة وذلك مثل ما يقع في بدل البعض والاشتمال وما يقع في تمييز النسبة . وقريب منه قوله تعالى ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) وليس هو مثل ما هنا لأن الأكل متمحض لكونه منحصرا في البطن بخلاف الإشراب فلا اختصاص له بالقلوب
