والإخلاص في العبادة أن يكون الداعي إلى الإتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي إرضاء الله تعالى وهو معنى قولهم : لوجه الله أي لقصد الامتثال بحيث لا يكون الحظ الدنيوي هو الباعث على العبادة مثل أن يعبد الله ليمدحه الناس بحيث لو تعطل المدح لترك العبادة . ولذا قيل : الرياء الشرك الأصغر أي إذا كان هو الباعث على العمل ومثل ذلك أن يقاتل لأجل الغنيمة فلو أيس منها ترك القتال فأما إن كان للنفس حظ عاجل وكان حاصلا تبعا للعبادة وليس هو المقصود فهو مغتفر وخاصة إذا كان ذلك لا تخلو عنه النفوس أو كان مما يعين على الاستزادة من العبادة .
وفي جامع العتبية في ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطلها الخطرة التي لا تملك . حدث العتبي عن عيسى بن دينار عن ابن وهب عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال لرسول الله A أنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من القتال طبيعته ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة ؟ فقال : يا معاذ بن جبل " من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة " .
قال ابن رشد في شرحه : هذا الحديث فيه نص جلي على أن من كان أصل عمله لله وعلى ذلك عقد نيته لم تضره الخطرات التي تقع في القلب ولا تملك على ما قاله مالك خلاف ما ذهب إليه ربيعة وذلك أنهما سئلا عن الرجل يحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق السوق فأنكر ذلك ربيعة ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير .
وقال مالك : إذا كان أول ذلك وأصله لله فلا بأس به إن شاء الله قال الله تعالى ( وألقيت عليك محبة مني ) وقال ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) .
قال مالك وإنما هذا شيء يكون في القلب لا يملك وذلك وسوسة الشيطان ليمنعه من العمل فمن وجد ذلك فلا يكسله عن التمادي على فعل الخير ولا يؤيسه من الأجر وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع " أي إذا أراد تثبيطه عن العمل " ويجدد النية فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء الله اه .
وذكر قبل ذلك عن مالك أنه رأى رجلا من أهل مصر يسأل عن ذلك ربيعة . وذكر أن ربيعة أنكر ذلك . قال مالك : فقلت له ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر ؟ قال : مازال الصالحون يهجرون .
وفي جامع المعيار : سئل مالك عن الرجل يذهب إلى الغزو ومعه فضل مال ليصيب به من فضل الغنيمة " أي ليشتري الناس ما صح لهم من الغنيمة " فأجاب لا بأس به ونزع بآية التجارة في الحج قوله ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) وأن ذلك غير مانع ولا قادح في صحة العبادة إذا كان قصده بالعبادة وجه الله ولا يعد هذا تشريكا في العبادة لأن الله هو الذي أباح ذلك ورفع الحرج عن فاعله مع أنه قال ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) فدل أن هذا التشريك ليس بداخل بلفظه ولا بمعناه تحت آية الكهف اه .
وأقول : إن القصد إلى العبادة ليتقرب إلى الله فيسأله ما فيه صلاحا في الدنيا أيضا لا ضير فيه لأن تلك العبادة جعلت وسيلة للدعاء ونحوه وكل ذلك تقرب إلى الله تعالى وقد شرعت صلوات لكشف الضر وقضاء الحوائج مثل صلاة الاستخارة وصلاة الضر والحاجة ومن المغتفر أيضا أن يقصد العامل من عمله أن يدعو له المسلمون ويذكروه بخير . وفي هذا المعنى قال عبد الله بن رواحة Bه حين خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا له المسلمون حين ودعوه ولمن معه بأن يردهم الله سالمين : .
لكنني أسأل الرحمان مغفرة ... وضربة ذات فرع يقذف الزبدا .
أو طعنة من يدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا .
حتى يقولوا إذا مروا على حدثي ... أرشدك الله من غاز وقد رشدا وقد علمت من تقييدنا الحظ بأنه حظ دنيوي أن رجاء الثوب واتقاء العقاب هو داخل في معنى الإخلاص لأنه راجع إلى التقرب لرضى الله تعالى .
وينبغي أن تعلم أن فضيلة الإخلاص في العبادة هي قضية أخص من قضية صحة العبادة وأجزائها في ذاتها إذ قد تعرو العبادة عن فضيلة الإخلاص وهي مع ذلك صحيحة مجزئة فللإخلاص أثر في تحصيل ثواب العمل وزيادته ولا علاقة له بصحة العمل .
A E