وقوله ( والله يختص برحمته من يشاء ) عطف على ( ما يود ) لتضمنه أن الله أراد ذلك وإن كانوا هم لا يريدونه . والرحمة هنا مثل الخير المنزل عليهم وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم ومعنى الاختصاص جعلها لأحد دون غيره لأن أصل الاختصاص والتخصيص راجع إلى هذا المعنى أعني جعل الحكم خاصا غير عام سواء خص واحدا أو أكثر ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه أي من يشاء اختصاصه بالرحمة . والمشيئة هي الإرادة ولما كانت إرادة الله تتعلق بالمراد على وفق علمه تعالى كانت مشيئته أي إرادته جارية على وفق حكمته التي هي من كيفيات علم الله تعالى فهي من تعلقات العلم الإلهي بإبراز الحوادث على ما ينبغي وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى ( إنك أنت العليم الحكيم ) فالله يختص برحمته من علم أنه حقيق بها لا سيما الرحمة المراد منها النبوءة فإن الله يختص بها من خلقه قابلا لها فهو يخلقه على صفاء سريرة وسلامة فطرة صالحة لتلقي الوحي شيئا فشيئا قال تعالى ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ) وقال ( الله يعلم حيث يجعل رسالاته ) ولذلك لم تكن النبوءة حاصلة بالاكتساب لأن الله يخلق للنبوءة من أراده لها لخطر أمرها بخلاف غيرها من الفضائل فهو ممكن الاكتساب كالصلاح والعلم وغيرهما فرب فاسق صلحت حاله ورب جاهل مطبق صار عالما بالسعي والاكتساب ومع هذا فلا بد لصاحبها من استعداد في الجملة ثم وراء ذلك التوفيق وعناية الله تعالى بعبده . ولما كانت الاستعدادات لمراتب الرحمة من النبوة فما دونها غير بادية للناس طوى بساط تفصيلها لتعذره ووكل إلى مشيئة الله التي لا تتعلق إلا بما علمه واقتضته حكمته سبحانه رفقا بأفهام المخاطبين .
وقوله ( والله ذو الفضل العظيم ) تذييل لأن الفضل يشمل إعطاء الخير والمعاملة بالرحمة وتنبيه على أن واجب مريد الخير التعرض لفضل الله تعالى والرغبة إليه في أن يتجلى عليه بصفة الفضل والرحمة فيتخلى عن المعاصي والخبائث ويتحلى بالفضائل والطاعات عسى أن يحبه ربه وفي الحديث الصحيح ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) .
( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبى A بقولهم ( نؤمن بما أنزل علينا ) وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ إن محمدا وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقا لها فكيف يكون شرعه مبطلا للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبدل شريعة بشريعة . وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله ( قل فلم تقتلون أنباء الله من قبل ) وقوله ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة ) إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ) إلى قوله ( ذو الفضل العظيم ) المنبئ أن العلة هي الحسد . فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ . والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلا من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة . ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد عليهم ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله ( ألم تعلم ) وعطفه عليه بقوله ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم ) ولقوله ( ما ننسخ من آية ) ولم يقل من شريعة . وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد على اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع .
وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول ففي الكشاف والمعالم نزلت لما قال اليهود ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه وفي تفسير القرطبي أن اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن محمدا يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضا .
A E