وقرأ الجمهور ( ننسخ ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع نسخ وقرأه ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزا بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية .
وما شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسما للشرط يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضا توجب إبهاما في أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهما فلا تدل على زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به .
و ( من آية ) بيان لما . والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر .
قال الحرث بن حلزة : .
من لنا عنده من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آيي أو آوى . ثم أطلقت الآية على المعجزة لأنها دليل صدق الرسول قال تعالى ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) . وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ) ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبرا مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيرا في بني سعد بن مالك وأرسل إلى قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال للرسول قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيسا . وقال سحيم العبد : .
ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا ولذا أيضا سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفا . والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقى لفظها لأن المقصود بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن .
والنسخ إزالة الشيء بشيء آخر قاله الراغب فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحا في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتا محضا لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة قال تعالى ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) وقال ( وفي نسختها هدى ورحمة ) وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز . ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير .
والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله ( نأت بخير منها أو مثلها ) وهو المعروف عند الأصوليين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف .
A E
