والمقصد من قوله تعالى ( نأت بخير منها أو مثلها ) إظهار منتهى الحكمة والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم في شريعة بحكم آخر ولا يقدح ذلك في علم الله تعالى ولا في حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعا أو حكما ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو مثله من حيث الوقت والحال وما أخر حكما في زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد عوض الناس في إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم وذلك مظهر الربوبية فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة ومراد الله تعالى في تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال ( إن الدين عند الله الإسلام ) وقال أيضا ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ) الآية .
والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر . فقوله تعالى ( نأت بخير منها أو مثلها ) هو إما إتيان تعويض أو إتيان تعزيز . وتوزيع هذا الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز . والمعنى إنا لم نترك الخلق في وقت سدى . وأن ليس في النسخ ما يتوهم منه البدا .
وفي الآية إيجاز بديع في التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها وصورا تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها .
ومما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى ( ننسها ) أنه إنساء الله تعالى المسلمين للآية أو للسورة أي إذهابها عن قلوبهم أو إنساؤه النبي A إياها فيكون نسيان الناس كلهم لها في وقت واحد دليلا على النسخ واستدلوا لذلك بحديث أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر : قال قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسول الله A فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فغديا على رسول الله A فذكرا ذلك له فقال لهما إنها مما نسخ وأنسى فالهوا عنها . قال ابن كثير هذا الحديث في سنده سليمان بن أرقم وهو ضعيف وقال ابن عطية هذا حديث منكر أغرب به الطبراني وكيف خفي مثله على أئمة الحديث . والصحيح أن نسيان النبي ما أراد الله نسخه ولم يرد أن يثبته قرآنا جائز أي لكنه لم يقع فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي معصوم عنه قبل التبليغ وأما بعد التبليغ وحفظ المسلمين له فجائز وقد روى أنه أسقط آية من سورة في الصلاة فلما فرغ قال لأبى لم لم تذكرني قال حسبت أنها رفعت قال لا ولكني نسيتها اه .
والحق عندي أن النسيان العارض الذي يتذكر بعده جائز ولا تحمل عليه الآية لمنافاته لظاهر قوله ( نأت بخير منها أو مثلها ) وأما النسيان المستمر للقرآن فأحسب أنه لا يجوز . وقوله تعالى ( سنقرئك فلا تنسى ) دليل عليه وقوله ( إلا ما شاء الله ) هو من باب التوسعة في الوعد وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعلى . وأما ما ورد في صحيح مسلم عن أنس قال كنا نقرأ سورة نشبه هل في الطول ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب اه . فهو غريب وتأويله أن هنالك سورة نسخت قراءتها وأحكامها ونسيان المسلمين لما نسخ لفظه من القرآن غير عجيب على أنه حديث غريب اه .
A E
