وقد دلت هذه الآية على أن النسخ واقع وقد اتفق علماء الإسلام على جواز النسخ ووقوعه ولم يخالف في ذلك إلا أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر فقيل إن خلافه لفظي وتفصيل الأدلة في كتب أصول الفقه . وقد قسموا نسخ أدلة الأحكام ومدلولاتها إلى أقسام : نسخ التلاوة والحكم معا وهو الأصل ومثلوه بما روى عن أبي بكر كان فيما أنزل لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ونسخ الحكم وبقاء التلاوة وهذا واقع لأن إبقاء التلاوة يقصد منه بفاء الإعجاز ببلاغة الآية ومثاله آية ( إن يكن منكم عشرون صابرون ) إلى آخر الآيات . ونسخ التلاوة وبقاء الحكم ومثلوه بما روى عن عمر كان فيما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وعندي أنه لا فائدة في نسخ التلاوة وبقاء الحكم وقد تأولوا قول عمر كان فيما يتلى أنه كان يتلى بين الناس تشهيرا بحكمه . وقد كان كثير من الصحابة يرى أن الآية إذا نسخ حكمها لا تبقى كتابتها في المصحف ففي البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال يابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه .
( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير [ 106 ] ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير [ 107 ] ) مسوق لبيان حكمة الشيخ والإتيان بالخير والمثل بيانا غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ ولما كان التصدي لذلك أمرا لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم بالمصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه . وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلا على أنه يحملهم على مصالحهم في سائر الأحوال . ومما يزيد هذا العدول توجيها أن التصدي للبيان بفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم .
ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) الآية بعد قوله ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) الآية ونحو ( وعلم أن فيكم ضعفا ) الآية . ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع . ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يعتذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور .
ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها .
A E
