وعلى تفسير ( مساجد الله ) بالعموم يكون قوله ( ما كان لهم أن يدخلوها ) أي منعوا مساجد الله في حال أنهم كان ينبغي لهم أن يدخلوها خاشعين من الله فيفسر الخوف بالخشعية من الله فلذلك كانوا ظالمين بوضع الجبروت في موضع الخضوع فاللام على هذا في قوله ما كان لهم للاختصاص وهذا الوجه وإن فرضه كثير مل المفسرين إلا أن مكان اسم الإشارة المؤذن بأن ما بعده ترتب عما قبله ينافيه لأن هذا الابتغاء متقرر وسابق على المنع والسعي في الخراب .
وقوله ( لهم في الدنيا خزي ) استئناف ثان ولم يعطف على ما قبله ليكون مقصودا بالاستئناف اهتماما به لأن المعطوف لكونه تابعا لا يهتم به السامعون كمال الاهتمام ولأنه يجري من الاستئناف الذي قبله مجرى البيان من المبين فإن الخزي خوف والخزي الذل والهوان وذلك ما نال صناديد المشركين يوم بدر من القتل الشنيع والأسر وما نالهم يوم فتح مكة من خزي الانهزام . وقوله ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) عطفت على ما قبلها لأنها تتميم لها إذ المقصود من مجموعهما أن لهم عذابين عذابا في الدنيا وعذابا في الآخرة .
وعندي أن نزول هذه الآية مؤذن بالاحتجاج على المشركين من سبب انصراف النبي عن استقبال الكعبة بعد هجرته فإن منعهم المسلمين من المسجد الحرام أشد من استقبال غير الكعبة في الصلاة على حد قوله تعالى ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) .
( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم [ 115 ] ) لما جاء بوعيدهم ووعد المؤمنين عطف على ذلك تسلية المؤمنين على خروجهم من مكة ونكاية المشركين بفسخ ابتهاجهم بخروج المؤمنين منها وانفرادهم هم بمزية جوار الكعبة فبين أن الأرض كلها لله تعالى وأنها ما تفاضلت جهاتها إلا بكونها مظنة للتقرب إليه تعالى وتذكر نعمه وآياته العظيمة فإذا كانت وجهة الإنسان نحو مرضاة الله تعالى فأينما تولى فقد صادف رضي الله تعالى وإذا كانت وجهته الكفر والغرور والظلم فما يغنى عنه العياذ بالمواضع المقدسة بل هو فيها دخيل لا يلبث أن يقلع منها قال تعالى ( وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) وقال A في بني إسرائيل : نحن أحق بموسى منهم .
فالمراد من ( المشرق والمغرب ) في الآية تعميم جهات الأرض لأنها تنقسم بالنسبة إلى مسير الشمس قسمين قسم يبتدئ من حيث تطلع الشمس وقسم ينتهي في حيث تغرب وهو تقسيم اعتباري كان مشهورا عند المتقدمين لأنه المبني على المشاهدة مناسب لجميع الناس والتقسيم الذاتي للأرض هو تقسيمها إلى شمالي وجنوبي لأنه تقسيم ينبني على اختلاف آثار الحركة الأرضية .
وقد قيل إن هذه الآية إذن للرسول A بأن يتوجه في الصلاة إلى أية جهة شاء ولعل مراد هذا القائل أن الآية تشير إلى تلك المشروعية لأن الظاهر أن الآية نزلت قبيل نسخ استقبال بيت المقدس إذ الشأن توالي نزول الآيات وآية نسخ القبلة قريبة الموقع من هذه والوجه أن يكون مقصد الآية عاما كما هو الشأن فتشمل الهجرة من مكة والانصراف عن استقبال الكعبة .
وتقديم الظرف للاختصاص أي أن الأرض لله تعالى فقط لا لهم فليس لهم حق في منع شيء منها عن عباد الله المخلصين .
و ( وجه الله ) بمعنى الذات وهو حقيقة لغوية تقول : لوجه زيد أي ذاته كما تقدم عند قوله ( من أسلم وجهه لله ) وهو هنا كناية عن عمله فحيث أمرهم باستقبال بيت المقدس فرضاه منوط بالامتثال لذلك . وهو أيضا كناية رمزية عن رضاه بهجرة المؤمنين في سبيل الدين لبلاد الحبشة ثم للمدينة ويؤيد كون الوجه بهذا المعنى قوله في التذييل ( إن الله واسع عليم ) فقوله ( واسع ) تذييل لمدلول ( ولله المشرق والمغرب ) والمراد سعة ملكه أو سعة تيسيره والمقصود عظمة الله وأنه لا جهة له وإنما الجهات التي يقصد منها رضي الله تفضل غيرها وهو عليم بمن يتوجه لقصد مرضاته وقد فسرت هذه الآية بأنها المراد بها القبلة في الصلاة .
( وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون [ 116 ] ) A E
