الضمير المرفوع بقالوا عائد إلى جميع الفرق الثلاث وهي اليهود والنصارى والذين لا يعلمون إشارة إلى ضلال آخر اتفق فيه الفرق الثلاث وقد قرئ بالواو وقالوا على أنه معطوف على قوله ( وقالت اليهود ) وهي قراءة الجمهور . وقرأه ابن عامر بدون واو عطف وكذلك ثبتت الآية في المصحف الإمام الموجه إلى الشام فتكون استئنافا كأن السامع بعد أن سمع ما مر من عجائب هؤلاء الفرق الثلاث جمعا وتفريقا تسنى له أن يقول لقد أسمعتنا من مساويهم عجبا فهل انتهت مساويهم أم لهم مساو أخرى لأن ما سمعناه مؤذن بأنها مساو لا تصدر إلا عن فطر خبيثة .
وقد اجتمع على هذه الضلالة الفرق الثلاث كما اتفقوا على ما قبلها فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال المشركون الملائكة بنات الله فتكون هاته الآية رجوعا إلى جمعهم في قرن إتماما لجمع أحوالهم الواقع في قوله ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) وفي قوله ( كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) . وقد ختمت هذه الآية بآية جمعت الفريق الثالث في مقالة أخرى وذلك قوله تعالى ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ) إلى قوله ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) .
والقول هنا على حقيقته وهو الكلام اللساني ولذلك نصب الجملة وأريد أنهم اعتقدوا ذلك أيضا لأن الغالب في الكلام أن يكون على وفق الاعتقاد . وقوله ( اتخذ الله ولدا ) جاء بلفظ اتخذ تعريضا بالاستهزاء بهم بأن كلامهم لا يلتئم لأنهم أثبتوا ولدا لله ويقولون اتخذه الله . والاتخاذ الاكتساب وهو ينافي الولدية إذ الولدية تولد بدون صنع فإذا جاء الصنع جاءت العبودية لا محالة وهذا التخالف هو ما يعبر عنه في علم الجدل بفساد الوضع وهو أن يستنتج وجود الشيء من وجود ضده كما يقول قائل القتل جناية عظيمة فلا تكفر مثل الردة .
وأصل هذه المقالة بالنسبة للمشركين ناشيء عن جهالة وبالنسبة لأهل الكتابين ناشئ عن توغلهما في سوء فهم الدين حتى توهموا التشبيهات والمجازات حقائق فقد ورد وصف الصالحين بأنهم أبناء الله على طريقة التشبيه وورد في كتاب النصارى وصف الله تعالى بأنه أبو عيسى وأبو الأمة فتلقفته عقول لا تعرف التأويل ولا نؤيد اعتقادها بواضح الدليل فظنته على حقيقته . جاء في التوراة في ألإصحاح 14 من سفر التثنية " أنتم أولاد للرب إلهكم لا تخمشوا أجسامكم " وفي إنجيل متى الإصحاح 5 " طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون " وفيه " وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات " وفي الإصحاح 6 " انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها " وتكرر ذلك في الأناجيل غير مرة ففهموها بسوء الفهم على ظاهر عبارتها ولم يراعوا أصول الديانة التي توجب تأويلها ألا ترى أن المسلمين لما جاءتهم أمثال هاته العبارات أحسنوا تأويلها وتبينوا دليلها كما في الحديث " الخلق عيال الله " .
وقوله ( سبحانه ) تنزيه لله عن شنيع هذا القول . وفيه إشارة إلى أن الولدية نقص بالنسبة إلى الله تعالى وإن كانت كمالا في الشاهد لأنها إنما كانت كمالا في الشاهد من حيث إنها تسد بعض نقائصه عند العجز والفقر وتسد مكانه عند الاضمحلال والله منزه عن جميع ذلك فلو كان له ولد لآذن بالحدوث وبالحاجة إليه .
وقوله ( بل له ما في السماوات والأرض ) إضراب عن قولهم لإبطاله وأقام الدليل على الإبطال بقوله ( له ما في السماوات والأرض ) فالجملة استئناف ابتدائي واللام للملك و ( وما في السماوات والأرض ) أي ما هو موجود فإن السماوات والأرض هي مجموع العوالم العلوية والسفلية . وما من صيغ العموم تقع على العاقل وغيره على المجموع وهذا هو الأصح الذي ذهب إليه في المفصل واختاره الرضي . وقيل ما تغلب أو تختص بغير العقلاء ومن يختص بالعقلاء وربما استعمل كل منهما في الآخر وهذا هو المشتهر بين النحاة وإن كان ضعيفا وعليه فهم يجيبون على نحو هاته الآية بأنها من قبيل التغليب تنزيلا للعقلاء في كونهم من صنع الله بمنزلة مساوية لغيره من بقية الموجودات تصغيرا لشأن كل موجود .
والقنوت الخضوع والانقياد مع خوف وإنما جاء قانتون بجمع المذكر السالم المختص بالعقلاء تغليبا لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة .
A E
