والنفي بلن مبالغة في التأنيس لأنها لنفي المستقبل وتأييده . والملة بكسر الميم الدين والشريعة وهي مجموع عقائد وأعمال يلتزمها طائفة من الناس يتفقون عليها وتكون جامعة لهم كطريقة يتبعونها ويحتمل أنها مشتقة من أمل الكتاب فسميت الشريعة ملة لأن الرسول أو واضع الدين يعلمها للناس ويمللها عليهم كما سميت دينا باعتبار قبول الأمة لها وطاعتهم وانقيادهم . ومعنى الغاية في ( حتى تتبع ملتهم ) الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم فهم لا يتبعون ملته ولما كان اتباع النبي ملتهم مستحيلا كان رضاهم عنه كذلك على حد ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) وقوله ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ) والتصريح بلا النافية بعد حرف العطف في قوله ( ولا النصارى ) للتنصيص على استقلالهم بالنفي وعم الاقتناع باتباع حرف العطف لأنهم كانوا يظن بهم خلاف ذلك لإظهارهم شيئا من المودة للمسلمين كما في قوله تعالى ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) وقد تضمنت هذه الآية أنهم لا يؤمنون بالنبي لأنه غير متبع ملتهم وأنهم لا يصدقون القرآن لأنه جاء بنسخ كتابيهم .
وقوله ( قل إن هدى الله هو الهدى ) أمر بالجواب عما تضمنه قوله ( ولن ترضى ) من خلاصة أقوال لهم يقتضي مضمونها أنهم لا يرضيهم شيء مما يدعوهم النبي إليه إلا أن يتبع ملتهم وأنهم يقولون إن ملتهم هدى فلا ضير عليه إن اتبعها مثل قولهم ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) وغير ذلك من التلون في الإعراض عن الدعوة ولذلك جيء في جوابهم بما هو الأسلوب في المجاوبة من فعل القول بدون حرف العطف .
ويجوز أن يكونوا قد قالوا ما تضمنته الآية من قوله ( حتى تتبع ملتهم ) . و ( هدى الله ) ما يقدره للشخص من التوفيق أي قل لهم لا أملك لكم هدى إلا أن يهديكم الله فالقصر حقيقي .
ويجوز أن يكون المراد بهدى الله الذي أنزله إلي هو الهدى يعني أن القرآن هو الهدى إبطالا لغرورهم بأن ما هم عليه من الملة هو الهدى وأن ما خالفه ضلال والمعنى أن القرآن هو الهدى وما أنتم عليه ليس من الهدى لأن أكثره من الباطل . فإضافة الهدى إلى الله تشريف والقصر إضافي . وفيه تعريض بأن ما هم عليه يومئذ شيء حرفوه ووضعوه . فيكون القصر إما حقيقيا ادعائيا بأن يراد هو الهدى الكامل في الهداية فهدى غيره من الكتب السماوية بالنسبة إلى هدى القرآن كلا هدى لأن هدى القرآن أعم وأكمل فلا ينافي إثبات الهداية لكتابهم كما في قوله تعالى ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) وقوله ( وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة ) وإما فصرا إضافيا أي هو الهدى دون ما أنتم عليه من ملة مبدلة مشوبة بضلالات وبذلك أيضا لا ينتفي الهدى عن كثير من التعاليم والنصايح الصالحة الصادرة عن الحكماء وأهل العقول الراجحة والتجربة لكنه هدى ناقص .
وقوله ( هو الهدى ) الضمير ضمير منفصل . والتعريف في الهدى تعريف الجنس الدال على الاستغراق ففيه طريقان من طرق الحصر هما ضمير الفصل وتعريف الجزأين وفي الجمع بينهما إفادة تحقيق معنى القصر وتأكيده للعناية به فأيهما اعتبرته طريق قصر كان الآخر تأكيدا للقصر وللخبر أيضا . والتوكيد بأن لتحقيق الخبر وتحقيق نسبته وإبطال تردد المتردد لأن القصر الإضافي لما كان المقصود منه رد اعتقاد المخاطب قد لا يتفطن المخاطب إلى ما يقتضيه من المتأكيد فزيد هنا مؤكد آخر وهو حرف ( إن ) اهتماما بتأكيد هذا الحكم . فقد اجتمع في هذه الجملة عدة مؤكدات هي : حرف إن . والقصر إذ القصر تأكيد على تأكيد كما في المفتاح فهو في قوة مؤكدين مع تأكيد القصر بضمير الفصل وهي تنحل إلى أربعة مؤكدات لأن القصر بمنزلة تأكيدين وقد انضم إليهما تأكيد القصر بضمير الفصل وتأكيد الجملة بحرف إن .
ولعل الآية تشير إلى أن استقبال النبي A في الصلاة إلى القبلة التي يستقبلها اليهود لقطع معذرة اليهود كما سيأتي في قوله تعالى ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) فأعلم رسوله بقوله ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ) بأن ذلك لا يلين من تصلب اليهود في عنادهم فتكون إيماء إلى تمهيد نسخ استقبال بيت المقدس .
A E