وقوله ( ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ) . اللام موطئة للقسم وذلك توكيد للخبر وتحقيق له . وعبر عن طريقتهم هنالك بالملة نظرا لاعتقادهم وشهرة ذلك عند العرب وعبر عنها هنا بالأهواء بعد أن مهد له بقوله ( إن هدى الله هو الهدى ) فإن الهوى رأى ناشئ عن شهوة لا عن دليل ولهذا لم يؤت بالضمير الراجع للملة وعبر عنها بالاسم الظاهر فشملت أهواؤهم التكذيب بالنبي وبالقرآن واعتقادهم أن ملتهم لا ينقضها شرع آخر .
وقوله ( مالك من الله من ولي ولا نصير ) تحذير لكل من تلقى الإسلام أن لا يتبع بعد الإسلام أهواء الأمم الأخرى جاء على طريقة تحذير النبي A مثل ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وهو جواب القسم ودليل جواب الشرط لأن اللام موطئة للقسم فالجواب لها . وجيء بأن الشرطية التي تأتي في مواقع عدم القطع بوقوع شرطها لأن هذا فرض ضعيف في شأن النبي والمسلمين . والولي القريب والحليف .
والنصير كل من يعين أحدا على من يريد به ضرا وكلاهما فعيل بمعنى فاعل ومن في قوله من الله متعلقة بولي لتضمينه معنى مانع من عقابه ويقدر مثله بعد ولا نصير أي نصير من الله . و ( من ) في قوله ( من ولي ) مؤكدة للنفي . وعطف النصير على الولي احتراس لأن نفي الولي لا يقتضي نفي كل نصير إذ لا يكون لأحد ولي لكونه دخيلا في قبيلة ويكون أنصاره من جيرته . وكان القصد من نفي الولاية التعريض بهم في اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه فنفي ذلك عنهم حيث لم يتبعوا دعوة الإسلام ثم نفى الأعم منه وهذه نكتة عدم الاقتصار على نفي الأعم .
وقد اشتملت جملة ( ولئن اتبعت أهواءهم ) إلى آخرها على تحذير من الطمع في استدناء اليهود أو النصارى بشيء من استرضائهم طمعا في إسلامهم بتألف قلوبهم فأكد ذلك التحذير بعشرة مؤكدات وهي القسم المدلول عليه باللام الموطئة للقسم . وتأكيد جملة الجزاء بإن . وبلام الابتداء في خبرها . واسمية جملة الجزاء وهي مالك من الله من ولي ولا نصير . وتأكيد النفي بمن في قوله ( من ولي ) . والإجمال ثم التفصيل بذكر اسم الموصول وتبيينه بقوله من العلم . وجعل الذي جاء ( أي أنزل إليه ) هو العلم كله لعدم الاعتداد بغيره لنقصانه . وتأكيد من ولي بعطف ولا نصير الذي هو آيل إلى معناه وإن اختلف مفهومه فهو كالتأكيد بالمرادف .
( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون121 ] ) استئناف ناشئ عن قوله ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ) مع قوله ( إن هدى الله هو الهدى ) لتضمنه أن اليهود والنصارى ليسوا يومئذ على شيء من الهدى كأن سائلا سأل كيف وهم متمسكون بشريعة ومن الذي هو على هدى ممن اتبع هاتين الشريعتين .
فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب وتلوه حق تلاوته هم الذين يؤمنون به . ويجوز أن يكون اعتراضا في آخر الكلام لبيان حال المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب لقصد إبطال اعتقادهم أنهم على التمسك بالإيمان بالكتاب . وهو ينظر إلى قوله تعالى ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ) الخ . وهو صدر هاته المحاورات وما تخللها من الأمثال والعبر والبيان . فقوله ( الذين آتيناهم الكتاب ) فذلكة لما تقدم وجواب قاطع لمعذرتهم المتقدمة وهو من باب رد العجز على الصدر . ولأحد هذين الوجهين فصلت الجملة ولم تعطف لأنها في معنى الجواب ولأن المحكي بها مباين لما يقابله المتضمن له قوله ( قالوا نؤمن بما أنزل علينا ) ولما انتقل منه إليه وهو قوله ( وقالوا اتخذ الله ولدا ) وقوله ( وقال الذين لا يعلمون ) . وقوله ( يتلونه حق تلاوته ) حال من ( الذين أوتوا الكتاب ) إذ هم الآن يتلونه حق تلاوته . وانتصب حق تلاوته على المفعول المطلق وإضافته إلى المصدر من إضافة الصفة إلى الموصوف أي تلاوة حقا .
والحق هنا ضد الباطل أي تلاوة مستوفية قوام نوعها لا ينقصها شيء مما يعتبر في التلاة وتلك هي التلاوة بفهم مقاصد الكلام المتلو فإن الكلام يراد منه إفهام السامع فإذا تلاه القارئ ولم يفهم جميع ما أراده قائله كانت تلاوته غامضة فحق التلاوة هو العلم بما في المتلو .
A E
