والفاء من قوله ( فقد جاء أشراطها ) فاء الفصيحة كالتي في قول عباس بن الأحنف : .
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا وهذه الفصيحة تفيد معنى تعليل قرب مؤاخذتهم .
والأشراط : جمع شرط بفتحتين وهو : العلامة والأمارة على وجود شيء أو على وصفه .
وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة . وهذا القرب يتصور بصورتين : إحداهما أن وقت الساعة قريب قربا نسبيا بالنسبة إلى طول مدة هذا العالم ومن عليه من الخلق .
والثانية : أن ابتداء مشاهدة أحوال الساعة يحصل لكل أحد بموته فإن روحه إذا خلصت عن جسده شاهدت مصيرها مشاهدة إجمالية . وبه فسر حديث أبي هريرة مرفوعا " القبر روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار " رواه الترمذي . وهو ضعيف ويفسره حديث ابن عمر مرفوعا " إذا مات الميت عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ثم يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة " ونهاية حياء المرء قريبة وإن طال العمر .
والأشراط بالنسبة للصورة الأولى : الحوادث التي أخبر النبي A أنها تقع بين يدي الساعة وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك وبالنسبة للصورة الثانية أشراطها الأمراض والشيخوخة .
( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم [ 18 ] ) تفريع على ( فقد جاء أشراطها ) . و ( أنى ) اسم يدل على الحالة ويضمن معنى الاستفهام كثيرا وهو هنا استفهام إنكاري أي كيف يحصل لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة والمقصود : إنكار الانتفاع بالذكرى حينئذ .
و ( أنى ) مبتدأ ثان مقدم لأن الاستفهام له الصدارة . و ( ذكراهم ) مبتدأ أول و ( لهم ) خبر عن ( أنى ) وهذا التركيب مثل قوله تعالى ( أنى لهم الذكرى ) في سورة الدخان وضمير ( جاءتهم ) عائد إلى ( الساعة ) .
( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم [ 19 ] ) فرع على جميع ما ذكر من حال المؤمنين وحال الكافرين ومن عواقب ذلك ووعده أو وعيده أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات على ما له من العلم بوحدانية الله وعلى ما هو دأبه من التواضع لله بالاستغفار لذنبه ومن الحرص على نجاة المؤمنين بالاستغفار لهم لأن في ذلك العلم وذلك الدأب استمطار الخيرات له ولأمته والتفريع هذا مزيد مناسبة لقوله آنفا ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) الآية .
فالأمر في قوله ( فاعلم ) كناية عن طلب العلم وهو العمل بالمعلوم وذلك مستعمل في طلب الدوام عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك وعلمه المؤمنون وإذا حصل العلم بذلك مرة واحدة تقرر في النفس لأن العلم لا يحتمل النقيض فليس الأمر به بعد حصوله لطلب تحصيله بل لطلب الثبات فهو على نحو قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ) .
وأما الأمر في قوله ( واستغفر لذنبك ) فهو لطلب تجديد ذلك إن كان قد علمه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وعمله أو هو لطلب تحصيله أن لم يكن فعله من قبل .
وذكر ( المؤمنات ) بعد ( المؤمنين ) اهتمام بهن في هذا المقام وإلا فإن الغالب اكتفاء القرآن بذكر المؤمنين وشموله للمؤمنات على طريقة التغليب للعلم بعموم تكاليف الشريعة للرجال والنساء إلا ما استثني من التكاليف .
ومن اللطائف القرآنية أن أمر هنا بالعلم قبل الأمر بالعمل في قوله ( واستغفر لذنبك ) . قال ابن عيينة لما سئل عن فضل العلم : ألم تسمع قوله حين بدأ به ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) . وترجم البخاري في كتاب العلم من صحيحه " باب العلم قبل القول والعمل " لقول الله تعالى ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) فبدأ بالعلم