وما يستغفر منه النبي صلى الله عليه وسلم ليس من السيئات لعصمته منها وإنما هو استغفار من الغفلات ونحوها وتسميته بالذنب في الآية إما محاكاة لما كان يكثر النبي A أن يقوله " اللهم اغفر لي خطيئتي " وإنما كان يقوله في مقام التواضع وإما إطلاق لاسم الذنب على ما يفوت من الازدياد في العبادة مثل أوقات النوم والأكل وإطلاقه على ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " أنه ليغان على قلبي وإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة " .
A E واللام في قوله ( لذنبك ) لام التعيين بينت مفعولا ثانيا لفعل ( استغفر ) واللام في قوله ( وللمؤمنين ) لام العلة أو بمعنى ( عن ) والمفعول محذوف أي استغفر الذنوب لأجل المؤمنين وفي الكلام حذف تقديره : وللمؤمنين لذنوبهم .
وجملة ( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) تذييل جامع لأحوال ما تقدم . فالمتقلب : مصدر بمعنى التقلب أوثر جلبه هنا لمزاوجة قوله ( ومثواكم ) . والتقلب : العمل المختلف ظاهرا كان كالصلاة أو باطنا كالإيمان والنصح .
والمثوى : المرجع والمئال أي يعلم الله أحوالكم جميعا من مؤمنين وكافرين وقدر لها جزاءها على حسب علمه بمراتبها ويعلم مصائركم وإنما أمركم ونهاكم وأمركم بالاستغفار خاصة لإجراء أحكام الأسباب على مسبباتها فلا تيأسوا ولا تهملوا .
( ويقول الذين أمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم [ 20 ] طاعة وقول معروف ) قد ذكرنا أن هذه السورة أنزلت بالمدينة وقد بدت قرون نفاق المنافقين فلما جرى في هذه السورة وصف حال المنافقين أعقب ذلك بوصف أجلى مظاهر نفاقهم وذلك حين يدعى المسلمون إلى الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين إذ كان تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج للقتال مع المسلمين وذلك أمر ليس بالهين لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون أن يرجوا منه نفعا في الحياة الأبدية إذ هم لا يصدقون بها فيصبحوا في حيرة . وكان حالهم هذا مخالفا لحال الذين آمنوا الذي تمنوا أن ينزل القرآن بالدعوة إلى القتال ليلاقوا المشركين فيشفوا منهم غليلهم فبهذه المناسبة حكي تمني المؤمنين نزول حكم القتال لأنه يلوح به تمييز حال المنافقين ويبدو منه الفرق بين حال الفريقين وقد بين كره القتال لديهم في سورة براءة .
فالمقصود من هذه الآية هو قوله ( فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ) الآية وما قبله توطئة له بذكر سببه وأفاد تقديمه أيضا تنويها بشأن الذين آمنوا وأفاد ذكره مقابلة بين حالي الفريقين جريا على سنن هذه السورة . ومقال الذين آمنوا هذا كان سببا في نزول قوله تعالى ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) ولذلك فالمقصود من السورة التي ذكر فيها القتال هذه السورة التي نحن بصددها .
ومعلوم أن قول المؤمنين هذا واقع قبل نزول هذه الآية فالتعبير عنه بالفعل المضارع : إما لقصد استحضار الحالة مثل ( ويصنع الفلك ) وإما للدلالة على أنهم مستمرون على هذا القول .
وتبعا لذلك تكون ( إذا ) في قوله ( فإذا أنزلت سورة ) ظرفا مستعملا في الزمن الماضي لأن نزول السورة قد وقع ونظر المنافقين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النظر قد وقع إذ لا يكون ذمهم وزجرهم قبل حصول ما يوجبه فالمقام دال والقرينة واضحة .
و ( لولا ) حرف مستعمل هنا في التمني وأصل معناه التخصيص فأطلق وأريد به التمني لأن التمني يستلزم الحرص والحرص يدعو إلى التحضيض .
وحذف وصف ( سورة ) في حكاية قولهم ( لولا نزلت سورة ) لدلالة ما بعده عليه من قوله ( وذكر فيها القتال ) لأن ( قوله فإذا أنزلت سورة ) أي كما تمنوا اقتضى أن المسؤول سورة يشرع فيها قتال المشركين . فالمعنى : لولا نزلت سورة يذكر فيها القتال وفرضه فحذف الوصف إيجازا
