ولفخر الدين معنى دقيق فبعد أن أجمل تفسير الآية بما يساير تفسير الجمهور قال " ويحتمل أن يقال التلقي الاستقبال يقال : فلان تلقى الركب وعلى هذا الوجه يكون معناه : وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور . والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم النشور أي وقت تلقيهما وسؤالهما أنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى ( سائق وشهيد ) . فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم " اه .
A E وكأنه ينحو به منحى قوله تعالى ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ) . ولا نوقف في سداد هذا التفسير إلا على ثبوت وجود ملكين يتسلمان روح الميت من يد ملك الموت عند قبضها ويجعلانها في المقر المناسب لحالها . والمظنون بفخر الدين أنه أطلع على ذلك وقد يؤيده ما ذكره القرطبي في التذكرة عن مسند الطيالسي عن البراء . وعن كتاب النسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا حضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء يقولون : اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان فإذا قبضه الملك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء " . وساق الحديث إلا إن في الحديث ملائكة جمعا وفي الآية ( المتلقيان ) تثنية .
وعلى هذا الوجه يكون مفعول ( يتلقى ) ما دل عليه قوله بعده ( وجاءت سكرة الموت ) . والتقدير : إذ يتلقى المتلقيان روح الإنسان . ويكون التعريف في قوله ( عن اليمين وعن الشمال ) عوضا عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن شمالها قعيد وهو على التوزيع أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر . ويكون ( قعيد ) مستعملا في معنى : قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة فعيل بمعنى مفعول كقول الأزرق بن طرفة : .
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوي رماني والاقتصار على ( ما يلفظ من قول ) حينئذ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجر أو أنين أو شهادة بالتوحيد أو ضدها ومن ذلك الوصايا والإقرارات .
( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد [ 19 ] ) عطف على جملة ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) لاشتراكهما في التنبيه على الجزاء على الأعمال . فهذا تنقل في مراحل الأمور العارضة للإنسان التي تسلمه من حال إلى آخر حتى يقع في الجزاء على أعماله التي قد أحصاها الحفيظان .
وإنما خولف التعبير في المعطوف بصيغة الماضي دون صيغة المضارع التي صيغ بها المعطوف عليه لأنه لقربه صار بمنزلة ما حصل قصدا لإدخال الروع في نفوس المشركين كما استفيد من قوله ( ذلك ما كنت منه تحيد ) نظير قوله تعالى ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) .
ويأتي على ما اختارها الفخر في تفسير ( إذ يتلقى المتلقيان ) الآية أن تكون جملة ( وجاءت سكرة الموت ) الخ في موضع الحال .
والتقدير : وقد جاءت سكرة الموت بالحق حينئذ .
والمجيء مجاز في الحصول والاعتراء وفي هذه الاستعارة تهويل لحالة احتضار الإنسان وشعوره بأنه مفارق الحياة التي ألفها وتعلق بها قلبه .
والسكرة : اسم لما يعتري الإنسان من ألم أو اختلال في المزاج يحجب من إدراك العقل فيختل الإدراك ويعتري العقل غيبوبة . وهي مشتق من السكر بفتح فسكون وهو الغلق لأنه يغلق العقل ومنه جاء وصف السكران .
والباء في قوله ( بالحق ) للملابسة وهي إما حال من ( سكرة الموت ) أي متصفة بأنها حق والحق : الذي حق وثبت فلا يتخلف أي السكرة التي لا طمع في امتداد الحياة بعدها وإما حال من ( الموت ) أي ملتبسا بأنه الحق أي المفروض المكتوب على الناس فهم محقوقون به أو الذي هو الجد ضد العبث كقوله تعالى ( خلق السماوات والأرض بالحق ) مع قوله ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا )