وقوله ( وبث فيها من كل دابة ) عطف إما على أنزل فيكون صلة ثانية وباعتبار ما عطف قبله على الصلة ثالثة وإما عطف على أحي فيكون معطوفا ثانيا على الصلة وأياما كان فهو آية ومنه مستقلة فإن جعلته عطفا على الصلة فمن في قوله ( من كل دابة ) بيانية وهي في موضع الحال ظرف مستقر وإن جعلته عطفا على المعطوف على الصلة وهو أحيا فمن في قوله ( من كل دابة ) تبعيضية وهي ظرف لغو أي أكثر فيها عددا من كل نوع من أنواع الدواب بمعنى ان كل نوع من أنواع الدواب ينبث بعض كثير من كل أنواعه فالتنكير في دابة للتنويع أي أكثر من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر .
والبث في الأصل نشر ما كان خفيا ومنه بث الشكوى وبث السرأى أظهره . قالت الأعرابية " لقد أبثثتك مكتومي وأطعمك مأدومي " وفي حديث أم زرع قالت السادسة " ولا يولج الكف ليعلم البث " أي لا يبحث عن سر زوجته لتفشوه له فمثلت البحث بإدخال الكف إخراج المخبوء ثم استعمل مجازا في انتشار الشيء بعد أن كان كامنا كما في هاته الآية واستعمل أيضا في مطلق الانتشار قال الخماسي : .
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب وبث الدواب لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر فالمعنى وخلق فبث فيها من كل دابة .
وعلى وجه عطف وبث على فأحيا فبث الدواب انتشارها في المراعي بعد أن كانت هازلة جاثمة وانتشار نسلها بالولادة وكل ذلك انتشار وبث وصفة لبيد بقوله : .
رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها .
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها والآية أوجز من بيتي لبيد وأوفر معنى فإن قوله تعالى ( وما أنزل الله من السماء من ماء ) أوجز من البيت الأول وقوله ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) أوجز من قوله فعلا فروع الأيهقان وأعم وأبرع بما فيه من استعارة الحياة وقوله ( وبث فيها من كل دابة ) أوجز من قوله وأطفلت البيت مع كونه أعم لعدم اقتصاره على الظباء والنعام .
والدابة ما دب على وجه الأرض وقد آذنت كلمة كل بأن المراد جميع الأنواع فانتفى احتمال أن يراد من الدابة خصوص ذوات الأربع .
وقد جمع قوله تعالى ( فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) أصول علم التاريخ الطبيعي وهو المواليد الثلاثة المعدن والنبات والحيوان وزيادة على ما في بقية الآية سابقا ولاحقا من الإشارات العلمية الراجعة لعلم الهيئة وعلم الطبيعة وعلم الجغرافيا الطبيعية وعلم حوادث الجو .
وقوله ( وتصريف الريح ) عطف على مدخول في وهو من آيات وجود الخالق وعظيم قدرته لأن هبوب الريح وركودها آية واختلاف مهابها آية فلولا الصانع الحكم الذي أودع أسرار الكائنات لما هبت الريح أو لما ركدت ولما اختلف مهابها بل دامت من جهة واحدة وهذا موضع العبرة وفي تصريف الرياح موضع نعمة وهو أن هبوبها قد يحتاج إليه أهل موضع للتنفيس من الحرارة أو لجلب الأسلحة أو لطرد حشرات كالجرد ونحوه أو لجلب منافع مثل الطير .
وقد يحتاج أهل مكة إلى اختلاف مهابها لتجيء ريح باردة بعد ريح حارة أو ريح رطبة بعد ريح يابسة أو لتهب إلى جهة الساحل فيرجع أهل السفن من الأسفار أو من الصيد فكل هذا موضع نعمة وهذا هو المشاهد للناس كلهم ولأهل العلم في ذلك أيضا موضع عبرة أعجب وموضع نعمة وذلك أن سبب تصريف الرياح أن الله أحاط الكرة الأرضية بهواء خلقه معها به يتنفس الحيوان وهو محيط بجميع الكرة بحرها متصل بسطحها ويشغل من فوق سطحها ارتفاعا لا يعيش الحيوان لو صعد إلى أعلاه وقد خلقه الله تعالى مؤلفا من غازين هما " النيتروجين والأكسجين " وفيه جزاء آخر عارض فيه هو جانب من البخار المائي المتصاعد له من تبخر البحار ورطوبة الأرض بأشعة الشمس وهذا البخار هو غاز دقيق لا يشاهد وهذا الهواء قابل للحرارة والبرودة بسبب مجاورة حار أو بارد وحرارته تأتي من أشعة الشمس ومن صعود حرارة الأرض حين تسخنها الشمس وبرودته تجيء من قلة حرارة الشمس ومن برودة الثلوج الصاعدة من الزمهرير الذي يتزايد بارتفاع الجو كما تقدم .
A E
