ولما كانت الحرارة من طبعها أن تمدد أجزاء الأشياء فتتلطف بذلك التمدد كما تقرر في الكيمياء والبرودة بالعكس فإذا كان هواء في جهة حارة كالصحراء وهواء في جهة باردة كالمنجمد وقع اختلاف بين الهواءين في الكثافة فصعد الخفيف وهو الحار إلى الأعلى وانحدر الكثيف إلى الأسفل وبصعود الخفيف يترك فراغا يخلفه فيه الكثيف طلبا للموازنة فتحدث حركة تسمى ريحا فإذا كانت الحركة خفيفة لقرب التفاوت بين الهواءين سميت الحركة نسيما وإذا اشتدت الحركة وأسرعت فهي الزوبعة .
فالريح جنس لهاته الحركة والنسيم والزوبعة والزعزع أنواع له .
ومن وفوائد هاته الرياح الإعانة على تكوين السحاب ونقله من موضع إلى موضع وتنقية الكرة الهوائية مما يحل بها من الجراثيم المضرة وهذان الأمران موضع عبرة ونعمة لأهل العلم .
وقد اختير التعبير بلفظ التصريف هنا دون نحو لفظ التبديل أو الاختلاف لأنه اللفظ الذي يصلح معناه لحكاية ما في الأمر من حال الرياح لأن التصريف تفعيل من الصرف للمبالغة وقد علمت أن منشأ الريح هو صرف بعض الهواء إلى مكان وصرف غيره إلى مكانه الذي كان فيه فيجوز أن تقدر : وتصريف الله تعالى الرياح وجعل التصريف للريح مع أن الريح تكونت بذلك التصريف فهو من إطلاق السم على الحاصل وقت الإطلاق كما في قوله تعالى ( ويلعنهم اللاعنون ) وهو ضرب من مجاز الأول وأن تجعل التصريف بمعنى التغيير أي تبديل ريح من جهة إلى جهة فتبقى الحقيقة ويفوت الإعجاز العلمي ويكون اختيار لفظ التصريف دون التغيير لأنه أخف .
وجمع الرياح هنا لأن التصريف اقتضى التعدد لأنها كلما تغير مهبها فقد صات ريحا غير التي سبقت وقرأ الجمهور الرياح بالجمع وقرأه حمزة والكسائي الريح بالإفراد على إرادة الجنس واستفادة العموم من اسم الجنس المعرف سواء كان مفردا أو جمعا سواء وقد قيل إن الرياح بصيغة الجمع يكثر استعماله في ريح الخير وأن الريح بإفراد يكثر استعماله في ريح الشر واعتضدوا في ذلك بما رووه عن النبي A أنه كان يقول إذا رأى الريح : " اللهم اجعلها رياحا لا ريحا " وهي تفرقة أغلبية وإلا فقد غير بالإفراد في موضع الجمع والعكس في قراءة كثير من القراء . والحديث لم يصح وعلى القول بالتفرقة فأحسن ما يعلل به أن الريح النافعة للناس تجيء خفيفة وتتخلل موجاتها فجوات فلا تحصل منها مضرة فباعتبار تخلل الفجوات لهبوبها جمعت وأما الريح العاصف فإنه لا يترك للناس فجوة فلذلك جعل ريحا واحدة وهذا مأخوذ من كلام القرطبي .
والرياح جمع ريح والريح بوزن فعل بكسر الفاء وعينها واو انقلبت ياء لأجل الكسرة بدليل قولهم في الجمع أرواح وأما قولهم في الجمع رياح فانقلاب الواو فيه ياء كانقلابها الكسرة بدليل قولهم في الجمع أرواح وأما قولهم في الجمع رياح فانقلاب الواو فيه ياء كانقلابها في المفرد لسبب الكسرة كما قالوا ديمة وديم وحيلة وحيل وهما من الواوي .
وقوله ( والسحاب المسخر ) عطف على ( وتصريف الرياح ) أو على ( الرياح ) ويكون التقدير : وتصريف السحاب المسخر أي نقله من موضع إلى موضع .
وهو عبرة ومنة أما العبرة ففي تكوينه بعد أن لم يكن وتسخيره وكونه في الفضاء وأما المنة ففي جميع ذلك فتكوينه منة وتسخيره من موضع إلى موضع منة وكونه بين السماء والأرض منة لأنه ينزل منه المطر على الأرض من ارتفاع فيفيد اختراق الماء في الأرض ولأنه لو كان على سطح الأرض لاختنق الناس فهذا ما يبدو لكل أحد وفي ذلك أيضا عبرة ومنة لأهل العلم فتكوينه عبرة لهم وذلك أنه يتكون من تصاعد أبخرة البحار ورطوبة الأرض التي تبخرها أشعة الشمس ولذا لم يخل الهواء من بخار الماء كما قدمناه إلا أن بخار الماء شفاف غازي فإذا جاور سطحا باردا ثقل وتكاثف فصار ضبابا أو ندى أو سحابا وإنما تكاثف لأن أجزاء البخار تجتمع فتقل قدرة الهواء على حمله ثم إذا تكامل اجتماعه نزل مطرا ولكون البخار الصاعد إلى الجو أكثر بخار البحر ؛ لأن البحر أكثر سطح الكرة الأرضية كانت السحب أكثر ما تتكون من جهة البحار وكانوا يظنون أن المطر كله من ماء البحر وأن خراطيم السحاب تتدلى إلى أمواج البحر فتمتص منه الماء ثم ينزل مطرا . قال أبو ذؤيب الهذلى : .
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم سود ماؤهن ثجيج