فالفاعل المحذوف حذف هنا لقصد التعميم أي كيفما قدرت حب محب الله فحب هؤلاء أندادهم مساو لذلك الحب ووجه هذا التعميم أن أحوال المشركين مختلفة فمنهم من يعبد الأنداد من الأصنام أو الجن أو الكواكب ويعترف بوجود الله ويسوي بين الأنداد وبينه ويسميهم شركاء أو أبناء الله تعالى ومنهم من يجعل لله تعالى الإلهية الكبرى ويجعل الأنداد شفعاء إليه ومنهم من يقتصر على عبادة الأنداد وينسى الله تعالى . قال تعالى ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) ومن هؤلاء صابئة العرب الذين عبدوا الكواكب ولله تعالى محبون من غير هؤلاء ومن بعض هؤلاء فمحبة هؤلاء أندادهم مساوية لمحبة محبي الله إياه أي مساوية في التفكير في نفوس المحبين من الفريقين فيصح أن تقدر يحبونهم كما يجب أن يحب الله أو يحبونهم كحب الموحدين لله إياه أو يحبونهم كحبهم الله وقد سلك كل صورة من هذه التقادير طائفة من المفسرين د والتحقيق أن المقدر هو القدر المشترك وهو ما قدرناه في أول الكلام .
واعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب الله تعالى وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول أصحابها وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة التابع ومحبة المتبوع ومحبة الخالق ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها مفقودة كما قال إبراهيم " عليه السلام " " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " مع ما في هذا الحال من زيادة موجب الإنكار .
وقوله ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) أي أشد حبا لله من محبة أصحاب الأنداد أندادهم على ما بلغوا من التصلب فيها ومن محبة بعضهم لله ممن يعترف بالله مع الأنداد لأن محبة جميع هؤلاء المحبين وإن بلغوا ما بلغوا من التصلب في محبوبيهم لما كانت محبة مجردة عن الحجة لا تبلغ مبلغ أصحاب الاعتقاد الصميم المعضود بالبرهان ولأن إيمانهم بهم لأغراض عاجلة كقضاء الحاجات ودفع الملمات بخلاف حب المؤمنين لله فإنه حب لذاته وكونه أهلا للحب ثم يتبع ذلك أغراض أعظمها الأغراض الآجلة لرفع الدرجات وتزكية النفس .
والمقصود تنقيص المشركين حتى في إيمانهم بآلهتهم فكثيرا ما كانوا يعرضون عنها إذا لم يجدوا منها ما أملوه .
فمورد التسوية بين المحبتين التي دل عليها التشبيه مخالف لمورد التفضيل الذي دل عليه اسم التفضيل هنا لأن التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها والتفضيل ناظر إلى رسوخ المحبة وعدم نزولها وهذا مأخوذ من كلام الكشاف ومصرح به في كلام البيضاوي مع زيادة تحريره وهذا يغنيك عن احتمالات وتمحلات عرضت هنا لبعض المفسرين وبعض شراح الكشاف .
وروي أن امرأ القيس لما أراد قتال بني أسد حين قتلوا أباه حجرا ملكهم مر على ذي الخلصة الصم الذي كان بتبالة بين مكة واليمن فاستقسم بالأزلام التي كانت عند الصنم فخرج له القدح الناهي ثلاث مرات فكسر تلك القداح ورمى بها وجه الصنم وشتمه وأنشد : .
لو كنت ياذا الخلص الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا .
" لم تنه عن قتل العداة زورا ثم قصد بني أسد فظفر بهم .
وروى أن رجلا من بني ملكان جاء إلى سعد الصنم بساحل جدة وكان معه إبل فنفرت إبله لما رأت الصنم فغضب الملكاني على الصنم ورماه بحجر وقال : .
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فما نحن من سعد .
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا تدعوا لغي ولا رشد وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة أشد قال التفتزاني آثر أشد حبا على أحب لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول : هو أحب إلي وفي القرآن ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله الخ .
يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب قليل فلذلك خصوا في الاستعمال كلا بمواقع نقيا للبس فقالوا : أحب وهو محب وأشد حبا وقالوا حبيب من حب وأحب إلى من حب أيضا