( ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب [ 165 ] ) A E عطف على قوله ( ومن الناس من يتخذ ) وذلك أن قوله ذلك لما كان شرحا لحال ضلالهم الفظيع في الدنيا من اتخاذ الأنداد لله مع ظهور أدلة وحدانيته حتى كان قوله ( ومن الناس ) مؤذنا بالتعجيب من حالهم كما قدمنا وزيد في شناعته أنهم اتخذوا لله أندادا وأحبوها كحبه ناسب أن ينتقل من ذلك أي ذكر عاقبتهم من هذا الصنيع ووصف فظاعة حالهم في الآخرة كما فظع حالهم في الدنيا .
قرأ نافع وابن عامر ويعقوب ( ولو ترى ) بتاء فوقية وهو خطاب لغير معين يعم كل من يسمع هذا الخطاب وذلك لتناهي حالهم في الفظاعة والسوء حتى لو حضرها الناس لظهرت لجميعهم ويجوز أن يكون الخطاب للنبي A فالذين ظلموا مفعول ترى على المعنين وإذ ظرف زمان والرؤية بصرية في الأول والثاني لتعلقها في الموضعين بالمرئيات ولأن ذلك مورد المعنى إلا أن وقت الرؤيتين مختلف إذ المعنى لو تراهم الآن حين يرون العذاب يوم القيامة أي لو ترى الآن حالهم وقرأ الجمهور يرى الذين ظلموا " بالتحتية " فيكون الذين ظلموا فاعل يرى المعنى أيضا لو يرون الآن وحذف مفعول يرى لدلالة المقام وتقديره لو يرون عذابهم أو لو يرون أنفسهم أو يكون ( إذ ) اسما غير ظرف أي لو ينظرون الآن ذلك الوقت فيكون بدل اشتمال من ( الذين ظلموا ) و ( الذين ظلموا ) هم الذين اتخذوا من دون الله أندادا فهو من الإظهار في مقام الإضمار ليكون شاملا لهؤلاء المشركين وغيرهم وجعل اتخاذهم الأنداد ظلما لأنه اعتداء على عدة حقوق . فقد اعتدوا على حق الله تعالى من وجوب توحيده واعتدوا على من جعلوهم أندادا لله على العقلاء منهم مثل الملائكة وعيسى ومثل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فقد ورد في الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا رجالا صالحين من قوم نوح فلما ماتوا اتخذ قومهم لهم تماثيل ثم عبدوها ومثل " اللات " يزعم العرب أنه رجل كان يلت السويق للحجيج وأن أصله اللات بتشديد التاء فبذلك ظلموهم إذ كانوا سببا لهول يحصل لهم من السؤال يوم القيامة كما قال الله تعالى ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) وقال ( ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) الآية وقال ( ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أ أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) الآية وظلموا أنفسهم في ذلك بتعريضها للسخرية في الدنيا وللعذاب في الآخرة وظلموا أعقابهم وقومهم الذين يتبعونهم في هذا الضلال فتمضي عليه العصور والأجيال ولذلك حذف مفعول ظلموا لقصد التعميم ولك أن تجعل ظلموا بمعنى أشركوا كما هو الشائع في القرآن قال تعالى عن لقمان ( إن الشرك لظلم عظيم ) وعليه فلفعل منزل منزلة اللازم لأنه صار كاللقب .
وجملة ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) معترضة والغرض منها التنويه بشأن الذين آمنوا بأن حبهم لله صار أشد من حبهم الأنداد التي كانوا يعبدونها وهذا كقول عمر بن الخطاب للنبي A " لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي " .
وتركيب ولو ترى وما أشبهه نحو لو رأيت من التراكيب التي جرت مجرى المثل فبنيت على الاختصار وقد تكرر وقوعها في القرآن .
وجواب لو محذوف لقصد التفخيم وتهويل الأمر لتذهب النفس في تصويره كل يذهب ممكن ونظيره ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ) ( ولو ترى إذ وقفوا على النار ) ( ولو أن قرءانا سيرت به الجبال ) قال المرزوقي عند قول الشميذر الحارثي : .
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا ... بني عمنا لو كان أمرا مدانيا " حذف الجواب في مثل هاته المواضع أبلغ وأدل على المراد بدليل أن السيد إذا قال عبده لئن قمت إليك ثم سكت تزاحم على العبد من الظنون المعترضة للتوعد مالا يتزاحم لو نص على ضرب من العذاب والتقدير على قراءة نافع وابن عامر لرأيت أمرا عظيما وعلى قراءة الجمهور لرأوا أمرا عظيما