وقوله ( أن القوة ) قرأه الجمهور بفتح همزة أن وهو بدل اشتمال من العذاب أو من الذين ظلموا فإن ذلك العذاب من أحوالهم ولا يضر الفصل بين المبدل منه والبدل لطول البدل ويجوز أن يكون على حذف لام التعليل والتقدير لأن القوة لله جميعا والتعليل بمضمون الجواب المقدر أي لرأيت ما هو هائل لأنه عذاب الله ولله القوة جميعا .
A E و ( جميعا ) استعمل في الكثرة فقوة غيره كالعدم وهذا كاستعمال ألفاظ الكثرة في معنى القوة وألفاظ القلة في معنى الوهن كما في قول تأبط شرا : .
قليل التشكي للملم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك أراد شديد الغرام .
وقرأه أبو جعفر ويعقوب ( إن القوة ) على الاستئناف البياني كأن سائلا قال : ماذا أرى وما هذا التهويل ؟ فقيل : إن القوة ولا يصح كونها حينئذ للتعليل التي تغني غناء الفاء كما هي في قول بشار : .
" إن ذاك النجاح في التبكير لأن ذلك يكون في مواقع احتياج ما قبلها للتعليل حتى تكون صريحة فيه .
وقرأ ابن عامر وحده إذ يرون العذاب بضم الياء أي إذ يريهم الله العذاب في معنى قوله ( وكذلك يريهم الله أعمالهم ) وانتصب ( جميعا ) على التوكيد لقوله ( القوة ) أي جميع جنس القوة ثابت لله وهو مبالغة لعدم الاعتداد بقوة غيره فمفاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق في قوله الحمد لله .
وقد جاء ( لو ) في مثل هذا التركيب بشرط مضارع ووقع في كلام الجمهور من النحاة أن للشرط في الماضي وأن المضارع إذا وقع شرطا لها يصرف إلى معنى الماضي إذا أريد استحضار حالة ماضية وأما إذا كان المضارع بعدها متعينا للمستقبل فأوله الجمهور بالماضي في جميع مواقعه وتكلفوا في كثير منها كما وقع لصاحب المفتاح وذهب المبرد وبعض الكوفيين إلى أن لو حرف بمعنى إن لمجرد التعليق لا للامتناع وذهب ابن ماله في التسهيل والخلاصة إلى أن ذلك جائز لكنه قليل وهو يريد القلة النسبية لوقوع الماضي وإلا فهو وارد في القرآن وفصيح العربية .
والتحقيق أن الامتناع الذي تفيده أو متفاوت المعنى ومرجعه إلى أن شرطها وجوابها مفروضان فرضا وغير حصول الشرط فقد يكون ممكن الحصول وقد يكون متعذرا ولذلك كان الأولى أن يعبر بالانتفاء دون الامتناع لأن الامتناع يوهم أنه غير ممكن الحصول فأما الانتفاء فأعم وأن كون الفعل بعدها ماضيا أو مضارعا ليس لمراعاة مقدار الامتناع ولكن ذلك لمقاصد أخرى مختلفة باختلاف مفاد الفعلين في مواقعها في الشروط وغيرها إذ كثيرا ما يراد تعليق الشرط بلو في المستقبل نحو قول توبة : .
ولو تلتقى أصداؤنا بعد موتنا ... ومن بين رمسينا من الأرض سبسب .
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب فإنه صريح في المستقبل ومثله هذه الآية .
( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب [ 166 ] وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار [ 167 ] ) إذ ظرف وقع بدل اشتمال من ظرف ( إذ يرون العذاب ) أي لو تراهم في هذين الحالين حال رؤيتهم العذاب وهي حالة فظيعة وتشتمل على حال اتخاذ لهم وتبرئ بعضهم من بعض وهي حالة شنيعة وهما حاصلان في زمن واحد .
وجئ بالفعل بعد إذ هنا ماضيا مع أنه مستقبل في المعنى لأنه إنما يحصل في الآخرة تنبيها على تحقق وقوعه فإن درجت على أن إذ لا تخرج عن كونها ظرفا للماضي على رأي جمهور النحاة فهي واقعة موقع التحقيق مثل الفعل الماضي الذي معها فتكون ترشيحا للتبعية وإن درجت على أنها ترد ظرفا للمستقبل وهو الأصح ونسبه في التسهيل إلى بعض النحاة وله شواهد كثيرة في القرآن قال تعالى ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) على أن يكون إذ تحسونهم هو الموعود به وقال ( فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ) فيكون المجاز في فعل ( تبرأ ) خاصة .
والتبرؤ تكلف البراءة وهي التباعد من الأمر الذي من شأن قربه أن يكون مضرا ولذلك يقال تبارا إذا أبعد كل الآخر من تبعه محققة أو متوقعة
