و ( الذين اتبعوا ) بالبناء إلى المجهول هم الذين ضللوا المشركين ونصبوا لهم الأنصاب مثل عمرو بن لحى فقد أشعر قوله اتبعوا أنهم كانوا يدعون إلى متابعتهم وأيد ذلك قوله بعده ( فتتبرأ منهم كما تبرءوا منا ) أي نجازيهم على إخلافهم .
ومعنى براءتهم منهم تنصلهم من مواعيد نفعهم في الآخرة الذي وعدوهم في الدنيا والشفاعة فيهم وصرفهم عن الالتحاق بهم حين هرعوا إليهم .
A E وجملة ( ورأوا العذاب ) حالية أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب ومعنى رؤيتهم إياه أنهم رأوا أسبابه وعلموا أنه أعد لمن أضل الناس فجعلوا يتباعدون من أتباعهم لئلا يحق عليهم عذاب المضللين ويجوز أن تكون رؤية العذاب مجازا في إحساس التعذيب كالمجاز في قوله تعالى ( يمسهم العذاب ) فموقع الحال هنا حسن جدا وهي مغنية عن الاستئناف الذي يقتضيه المقام لأن السامع يتساءل عن موجب هذا التبرؤ فإنه غريب فيقال رأوا العذاب فلما أريد تصوير الحال وتهويل الاستفظاع عدل عن الاستئناف إلى الحال قضاء لحق التهويل واكتفاء بالحال عن الاستئناف لأن موقعهما متقارب ولا تكون معطوفة على جملة تبرأ لأن معناها حينئذ يصير إعادة لمعنى جملة ( ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ) فتصير مجرد تأكيد لها ويفوت ما ذكرناه من الخصوصيات .
وضمير ( رأوا ) ضمير مبهم عائد إلى فريقي الذين اتبعوا والذين اتبعوا .
وجملة ( وتقطعت بهم الأسباب ) معطوفة على جملة ( تبرأ ) أي وإذ تقطعت بهم الأسباب والضمير المجرور عائد إلى كلا الفريقين .
والتقطع الانقطاع الشديد لأن أصله مطاوع قطعه بالتشديد مضاعف قطع بالتخفيف .
والأسباب جمع سبب وهو الحبل الذي يمد ليرتقي عليه في النخلة أو السطح وقوله وتقطعت بهم الأسباب تمثيلية شبهت هيئتهم عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعيم الذي تعبوا لأجلة مدة حياتهم وقد جاء إبانه في ظنهم فوجدوا عوضه العذاب بحال المرتقى إلى النخلة ليجتني الثمر الذي كد لأجله طول السنة فتقطع به السبب عند ارتقائه فسقط هالكا فكذلك هؤلاء قد علم كلهم حينئذ أن لا نجاة لهم فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة وهي تمثيلية بديعة لأنها الهيئة المشبهة تشتمل على سبعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من الأشياء التي تشتمل عليها الهيئة المشبه بها وهي : تشبيه المشرك في عبادته الأصنام واتباع دينها بالمرتقى بجامع السعي وتشبيه العبادة وقبول الآلهة منه بالحبل الموصل وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة في أعلى النخلة لأنها لا يصل لها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر وتشبيه العمر بالنخلة في الطول وتشبيه الحرمان من الوصول للنعيم بتقطيع الحبل وتشبيه الخيبة بالبعد عن الثمرة وتشبيه الوقوع في العذاب بالسقوط المهلك . وقلما تأتي في التمثيلية صلوحية أجزاء التشبيه المركب فيها لأن تكون تشبيهات مستقلة والوارد في ذلك يكون في أشياء قليلة كقول بشار الذي يعد مثالا في الحسن : .
كأن مثار النفع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فليس في البيت أكثر من تشبيهات ثلاثة .
فالباء في " بهم " للملابسة أي تقطعت الأسباب ملتبسة بهم أي فسقطوا وهذا المعنى هو محل التشبيه لأن الحبل لو تقطع غير ملابس للمرتقى عليه لما كان في ذلك ضر إذ يمسك بالنخلة ويتطلب سببا آخر ينزل فيه ولذلك لم يقل وتقطعت أسبابهم أو نحوه فمن قال إن الباء بمعنى عن أو للسببية أو التعدية فقد بعد عن البلاغة وبهذه الباء تقوم معنى التمثيلية بالصاعد إلى النخلة بحبل وهذا المعنى فائت في قول امرئ القيس : .
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا وقوله ( وقال الذين اتبعوا ) أظهر في مقام الإضمار لأن ضميري الغيبة اللذين قبله عائدان إلى مجموع الفريقين على أن في صلة الذين اتبعوا تنبيها على إغاظة المتبوعين وإثارة حسرتهم وذلك عذاب نفساني يضاعف العذاب الجثماني وقد نبه عليه قوله : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم )
