هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباق يبذ المغاليا في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص اه .
وادعى صاحب المفتاح أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق قد يفيد الاختصاص كقوله تعالى ( وما أنت علينا بعزيز ) ( وما انا بطارد الذين آمنوا ) ( وما أنت عليهم بوكيل ) فالوجه أن تقديم المسند إليه على المسند المشتق لا يفيد بذاته التخصيص وقد يستفاد من بعض مواقعه معنى التخصيص بالقرائن وليس في قوله تعالى ( وما هم بخارجين من النار ) ما يفيد التخصيص ولا ما يدعو إليه .
A E ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [ 168 ] إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [ 169 ] ) استئناف ابتدائي هو كالخاتمة لتشويه أحوال أهل الشرك من أصول دينهم وفروعه التي ابتدأ الكلام فيها من قوله تعالى ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لمنة الله والملائكة ) الآية إذ ذكر كفرهم إجمالا ثم أبطله بقوله ( وإلهكم إله واحد ) واستدل على أبطاله بقوله ( إن في خلق السماوات والأرض ) الآيات ثم وصف كفرهم بقوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) ووصف حالهم وحسراهم يوم القيامة فوصف هنا بعض مساوئ دين أهل الشرك فيما حرموا على أنفسهم مما أخرج الله لهم من الأرض وناسب ذكره هنا أنه وقع بعد ما تضمنه الاستدلال على وحدانية الله والامتنان عليهم بنعمته بقوله ( إن في خلق السماوات والأرض ) إلى قوله ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ) الآية وهو تمهيد وتلخيص لما يعقبه من ذكر شرائع الإسلام في الأطعمة وغيرها التي ستأتي من قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) .
فالخطاب بيا أيها الناس موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن بيا أيها الناس .
والأمر في قوله ( كلوا مما في الأرض ) مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإباحة إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله ( كلوا ) تمهيد لقوله بعده ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) .
وقوله ( حلالا طيبا ) تعريض بتحميقهم فيما اعتنوا به أنفسهم فحرموها من نعم طيبة افتراء على الله وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإسلام وتعليم للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحل والتحريم .
والمقصود إبطال ما اختلقوه من منع أكل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما حكى الله عنهم في سورة الأنعام من قوله ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء يزعمهم ) الآيات .
قيل نزلت في تثقيف وبنى عامر بن صعصعة وخزاعة وبنى مدلج حرموا على أنفسهم من الأنعام أي مما ذكر في سورة الأنعام .
ومن في قوله ( مما في الأرض ) للتبعيض فالتبعيض راجع إلى كون المأكول بعضا من كل نوع وليس راجعا إلى كون المأكول أنواعا دون أنواع لأنه يفوت غرض الآية فما في الأرض عام خصصه الوصف بقوله ( حلالا طيبا ) فخرجت المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة .
وقوله ( حلالا طيبا ) حالان من ما الموصولة أولهما لبيان الحكم الشرعي والثاني لبيان علته لأن الطيب من شأنه أن تقصده النفوس للانتفاع به فإذا ثبت الطيب ثبتت الحلية لأن الله رفيق بعباده لم يمنعهم مما فيه نفعهم الخالص أو الراجح .
والمراد بالطيب هنا ما تستطيعه النفوس بالإدراك المستقيم السليم من الشذوذ وهي النفوس التي تشتهي الملائم الكامل أو الراجح بحيث لا يعود تناوله بضر جثماني أو روحاني وسيأتي معنى الطيب لغة عند قوله تعالى ( قل أحل لكم الطيبات ) في سورة المائدة .
وفي هذا الوصف معنى عظيم من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام فلذلك قال علماؤنا : إن حكم الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء أن أصل المضار منها التحريم وأصل المنافع الحل وهذا بالنظر إلى ذات الشيء بقطع النظر عن عوارضه كتعلق حق الغير به الموجب تحريمه إذ التحريم حينئذ حكم للعارض لا للمعروض
