وقد فسر الكيب هنا بما يبيحه الشرع وهو بعيد لأنه يفضي إلى التكرار ولأنه يقتضي استعمال لفظ في معنى غير متعارف عندهم .
وقوله ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) الضمير للناس لا محالة وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دوما وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير والموعظة .
واتباع الخطوات تمثيلية أصلها أن السائر إذا رأى آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علما منه بأنه ما سار فيه السائر قبله إلا لأنه موصل للمطلوب فشبه المقتدى الذي لا دليل له سوى المقتدى به وهو يظن مسلكه موصلا بالذي يتبع خطوات السائرين وشاعت هاته التمثيلية حتى صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدي به ويمتثل له .
A E والخطوات بضم فسكون جمع خطوة مثل الغرفة والقبضة بضم أولهما بمعنى المخطو والمغروف والمقبوض فهي بمعنى مخطوة اسم لمسافة بين القدمين عند مشي الماشي فهو يخطوها وأما الخطوة بفتح الخاء فهي المرة من مصدر الخطو وتطلق على المخطو من إطلاق المصدر على المفعول .
وقرأ الجمهور ( خطوات ) بضم فسكون على أصل جمع السلامة وقرأه ابن عامر وقنبل عن ابن كثير وحفص عن عاصم بضم الخاء والطاء على الإتباع والإتباع يساوي السكون في الخفة على اللسان .
والاقتداء بالشيطان إرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر البشرية فإن الشياطين موجودات مدركة لها اتصال بالنفوس البشرية لعله كاتصال الجاذبية بالأفلاك والمغناطيس بالحديد فإذا حصل التوجه من أحدهما إلى الآخر بأسباب غير معلومة حدثت في النفس خواطر شيئة فإن أرسل المكلف نفسه لاتباعها ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة حققها في فعله وإن كبحها وصدها عن ذلك غلبها . ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة والقدرة وكمل لما ذلك بالهدى الديني عونا وعصمة عن تلبيتها لئلا تضلنا الخواطر الشيطانية حتى نرى حسنا ما ليس بالحسن ولهذا جاء في الحديث " من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " لأنه لما هم بها فذلك حين تسلطت عليه القوة الشيطانية ولما عدل عنها فذلك حين غلب الإرادة الخيرية عليها ومثل هذا يقال في الخواطر الخيرية وهي الناشئة عن التوجهات الملكية فإذا تنازع الداعيان في نفوسنا احتجنا في التغلب إلى الاستعانة بعقولنا وآرائنا وقدرتنا وهدى الله تعالى إيانا . وذلك هو المعبر عنه عند الأشعري بالكسب وعنه يترتب الثواب والعقاب .
واللام في ( الشيطان ) للجنس ويجوز أن تكون للعهد ويكون المراد إبليس وهو أصل الشياطين وآمرهم فكل ما ينشأ من وسوسة الشياطين فهو راجع إليه لأنه الذي خطا الخطوات الأولى .
وقوله ( إنه لكم عدو مبين ) إن لمجرد الاهتمام بالخبر لأن العداوة بين الشيطان والناس معلومة متقررة عند المؤمنين والمشركين وقد كانوا في الحج يرمون الجمار ويعتقدون أنهم يرجمون الشيطان أو تجعل إن للتأكيد بتنزيل غير المتردد في الحكم منزلة المتردد أو المنكر لأنهم لاتباعهم الإشارات الشيطانية بمنزلة من ينكر عداوته كما قال عبدة : .
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا وأياما كان فإن تفيد معنى التعليل والربط في مثل هذا وتغنى غناء الفاء وهو شأنها بعد الأمر والنهي على ما في دلائل الإعجاز ومثله قول بشار : .
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير وقد تقدم ذلك .
وإنما كان عدوا لأن عنصر خلقته مخالف لعنصر خلقه الإنسان فاتصاله بالإنسان يؤثر خلاف ما يلائمه وقد كثر في القرآن تمثيل الشيطان في صورة العدو المتربص بنا الدوائر لإثارة داعية مخالفته في نفوسنا كي لا نغتر حين نجد الخواطر الشريرة في أنفسنا فنظنها ما نشأت فينا إلا وهي نافعة لنا لأنها تولدت من نفوسنا ولأجل هذا أيضا صورت لنا النفس في صورة العدو في مثل هاته الأحوال