ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يظهر لنا العداوة بل يلبس لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم ولذلك سماه الله وليا فقال ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ) إلا أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال اتباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلا أنه تغلبه شهوته وضعف عزيمته ورقة ديانته .
وقوله ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ) استئناف بياني لقوله ( إنه لكم عدو مبين ) فيئول إلى كونه علة للعلة إذ يسأل السامع عن ثبوت العداوة مع عدم سبق المعرفة ومع بعد ما بيننا وبينه فقيل إنما يأمركم أي لأنه لا يأمركم إلا بالسوء الخ أي يحسن لكم ما فيه مضرتكم لأن عداوته أمر خفي عرفناه من آثار أفعاله .
A E والأمر في الآية مجاز عن الوسوسة والتزيين إذ لا يسمع أحد صيغ أمر من الشيطان . ولك أن تجعل جملة ( إنما يأمركم ) تمثيلية بتشبيه حاله وحالهم في التسويل والوسوسة وفي تلقيهم ما يسوس لهم بحال الآمر والمأمور ويكون لفظ يأمر مستعملا في حقيقته مفيدا مع ذكر الرمز إلى أنهم لا إرادة لهم ولا يملكون أمر أنفسهم وفي هذا زيادة تشنيع لحالهم وإثارة للعداوة بين الشيطان وبينهم .
والسوء الضر من ساءه سوءا فالمصدر بفتح السين وأما السوء بضم السين فاسم للمصدر .
والفحشاء اسم مشتق من فحش إذا تجاوز الحد المعروف في فعله أو قوله واختص في كلام العرب بما تجاوز حد الآداب وعظم إنكاره لأن وساوس النفس تئول إلى مضرة كشرب الخمر والقتل المفضي للثأر أو إلى سوأة وعار كالزنا والكذب فالعطف هنا عطف لمتغايرين بالمفهوم والذات لا محالة بشهادة اللغة وإن كانا متحدين في الحكم الشرعي لدخول كليهما تحت وصف الحرام أو الكبيرة وأما تصادفهما معا في بعض الذنوب كالسرقة فلا التفات إليه كسائر الكليات المتصادفة .
وقوله ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) يشير إلى ما اختلقه المشركون وأهل الضلال من رسوم العبادات ونسبة أشياء لدين الله ما أمر الله بها . وخصه بالعطف مع أنه بعض السوء والفحشاء لاشتماله على أكبر الكبائر وهو الشرك والافتراء على الله .
ومفعول تعلمون محذوف وهو ضمير عائد إلى ( ما ) وهو رابط الصلة ومعنى ما لا تعلمون : لا تعلمون أنه من عند الله بقرينة قوله ( على الله ) أي لا تعلمون أنه يرضيه ويأمر به وطريق معرفة رضا الله وأمره هو الرجوع إلى الوحي وإلى ما يتفرع عنه من القياس وأدلة الشريعة المستقراة من أدلتها . ولذلك قال الأصوليون : يجوز للمجتهد أن يقول فيما أداه إليه اجتهاده بطريق القياس : إنه دين الله ولا يجوز أن يقول قاله الله لأن المجتهد قد حصلت له مقدمة قطعية مستقراة من الشريعة انعقد الإجماع عليها وهي وجوب عمله بما أداه إليه اجتهاده بأن يعمل به في الفتوى والفضاء وخاصة نفسه فهو إذا أفتى به وأخبر فقد قال على الله ما يعلم أنه يرضى الله تعالى بحسب ما كلف به من الظن .
( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ 170 ] ) الأحسن عندي أن يكون عطفا على قوله ( ولا تتبعوا خطوت الشيطان ) فإن المقصود بالخطاب في ذلك هم المشركون فإنهم الذين ائتمروا لأمره بالسوء والفحشاء وخاصة بأن يقولوا على الله مالا يعلمون والمسلمون محاشون عن مجموع ذلك .
وفي هذه الآية المعطوفة زيادة تفظيع لحال أهل الشرك فيعد أن أثبت لهم اتباعهم خطوات الشيطان فيما حرموا على أنفسهم من الطيبات أعقب ذلك بذكر إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل الله وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما ألفوا عليه آباءهم وأعرضوا عن الدعوة إلى غير ذلك دون تأمل ولا تدبر .
( بل ) إضراب إبطال أي أضربوا عن قول الرسول اتبعوا ما انزل الله إضراب إعراض بدون حجة إلا بأنه مخالف لما ألوا عليه آباءهم .
وفي ضمير لهم التفات من الخطاب الذي في قوله ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان )
